فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 143

في البحث عن المجلس الاشتراعي المؤلف من أعضاء جدد فائدة نفسية، فالمجالس التي

تجلت فيها صفات الجماعات السياسية، مثل ذلك المجلس، قليلة العدد.

كان عدد نوابه خمسين وسبعمئة، وكانوا منقسمين إلى ملكيين متطرفين وملكيين

دستوريين وجمهوريين وجيرونديين ومونتاتيار، وكانت أكثريته من المحامين والأدباء،

وقد اشتمل أيضًا على قليل من الأساقفة الدستوريين وكبار الضباط والقسيسين والعلماء.

وكانت مبادئ أعضاء هذا المجلس صبيانية، فكان أكثرهم مشبعًا من أفكار روسو في

العودة إلى الفطرة الأولى، وكانوا كلهم يميلون إلى الأغارقة والرومان الأقدمين، ويستندون

إلى أفكار كاتون وبروتوس وغراكوس وپلوتارك ومارك أوريل وأفلاطون، وكانوا، عندما

يريدون شتم لويس السادس عشر، يسمونه كاليغولا.

وكانوا ثوريين لرغبتهم في القضاء على التقاليد، ولكنهم كانوا أيضًا رجعيين لطمعهم

في العودة إلى ماضٍ قديم، غير أن النظريات لم تؤثر في سيرهم إلَّا قليلًا، فكان العقل

يظهر في خطبهم دون أعمالهم، وكانت وساوس العاطفة والدين تستحوذ عليهم.

وكانت أحوال المجلس الاشتراعي النفسية مثل أحوال المجلس التأسيسي النفسية،

وهي تلخص في أربع كلمات، وهي: سرعة الانفعال وسرعة التقلب والجبن والضعف،

ويستدل على سرعة تقلبه وسرعة انفعاله من تحولاته المستمرة، فكان أعضاؤه يومًا

يتشاتمون ويتلاكزون، ويومًا يتعانقون باكين، وقد هتفوا هتافًا شديدًا للعريضة التي

التمسوا فيها مجازاة من طلبوا خلع الملك، ثم حيوا الوفد الذي أتى في اليوم نفسه ليطلب

خلعه، ويستدل على ضعف المجلس الاشتراعي وجبنه بقراره نزع السلطة من الملك

مع أنه ملكي وقبوله طلب الجمعية الثورية تسليم الملك وأسرته إليها لتسجنه في برج

تانپل، وهكذا كان حال المجلس الاشتراعي الذي عجز عن التصرف في سلطته، ففوض

زمامه إلى الجمعية الثورية والأندية التي كان يديرها زعماء نافذون كتاليان وإيبر ومارا

وبوسينيول وروبسپير.

وقد ظلت تلك الجمعية الثورية مسيطرة على الحكومة حتى الشهر الحادي عشر

من السنة الجمهورية (ترميدور 1794) ، وكانت تسير كأن إدارة باريس فوضت إليها،

فهي التي طلبت سجن لويس السادس عشر في برج تانپل مع أن المجلس الاشتراعي أراد

اعتقاله في قصر لكسنبرغ، وهي التي ملأت السجون بالمتهمين، ثم أمرت بذبحهم.

وأمرُ الوحشية التي أبادت بها عصابة مؤلفة من 150 عائث ما يقرب من 1200

نفس في أربعة أيام - مشهور، فقد دفعهم إلى هذه المذابح المسماة مذابح سپتمبر بضعة

أعضاء من الجمعية الثورية، وقد احتفى رئيس بلدية باريس، بيتون، بهؤلاء القتلة

فسقاهم خمرًا، فاحتج على ذلك بعض الجيروندويين دون اليعاقبة الذين التزموا جانب

السكوت.

وتجاهل المجلس الاشتراعي تلك المذابح التي حث على اقترافها كثير من أعضائه

كبيوفارين وكوتون، وهو، لعجزه عن منع استمرار قتل الناس، انفضَّ بعد خمسةَ عشرَ

يومًا من تاريخ وقوع ذلك الحادث فاسحًا في المجال لمجلس العهد.

ولا شك في أنه كان مسيئًا بأعماله، لا بنيَّاته، فمع كونه ملكيًا أقلع عن الملكية، ومع

انتحاله مذهب الإنسانية حدثت مذابح سپتمبر على مرأى منه، ومع أنه كان مسالمًا زج

بفرنسة في حرب طاحنة، فأثبت لنا بسيره أن الحكومة الضعيفة تؤدي إلى خراب الوطن

على الدوام.

ودلنا تاريخ المجلسين الثوريين الأولين (التأسيسي والاشتراعي) على تماسك الحوادث

بعضها ببعض، وأنها سلسلة ضرورات قد نتصرف في حلقاتها الأولى، وأما حلقاتها

الأخرى فإنها تتكيف مستقلة عن إرادتنا، فقرارات المجلس التأسيسي الأول، وإن صدرت

عن العقل والإرادة، وقعت نتائجها مستقلة عن كل إرادة وعقل وتبصر، ومن كان يجرؤ

من رجال سنة 1789 على طلب قتل لويس السادس عشر أو يستطيع أن يخبر بذلك

القتل وبحروب ?انده وبالهول الأكبر وبالمقصلة وبالفوضى، ثم بالرجوع إلى التقاليد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت