فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 143

الفصل الرابع

روح الجماعات الثورية

لا تأتي الثورات - مهما كان مصدرها - بشتى النتائج إلا بعد دخولها في نفوس

الجماعات، وهي لهذا السبب تعتبر نتيجة روح الجماعات.

ومع أنني بحثت مطولًا في كتاب آخر عن روح الجماعات فإن الضرورة تقضي عليَّ

بأن أذكر هنا سننها الأساسية، وعلى ذلك أقول:

إن المرء - وهو جزء من الجماعة - يختلف جدٍّا عنه وهو منفرد، فشخصيته

الشاعرة تفنى في شخصية الجماعة غير الشاعرة، وليس من الضروري أن يتصل المرءُ

بالجماعة اتصالًا ماديٍّا ليكتسب نفسية الجماعة، بل يكفي في الغالب، لتكوين هذه

النفسية ما ينشأ عن بعض الحوادث من الانفعالات والمشاعر العامة.

ولروح الجماعة التي تظهر وقتيٍّا مزاج خاص يتصف بتغلب اللاشعور الخاضع

لأحكام منطق خاص يسمى منطق الجماعات.

ونعد من الأوصاف الأخرى للجماعات غلوها في سرعة التصديق وسرعة الانفعال

وعدم التبصر وعجزها عن التأثر بالمعقول، فلا يمكن إقناعها إلا بالتوكيد والعدوى

والتكرار والنفوذ، وليس للحقائق والتجارب تأثير فيها، ويمكن حملها على تصديق كل

شيءٍ لعدم وجود ما هو مستحيل عندها.

وما تتصف به الجماعات من سرعة التأثر والانفعال يجعلها مفرطة في مشاعرها

التي تكون ضارة أو نافعة، ويعظم هذا الإفراط في أيام الثورة، فأقل تحريض يدفع

الجماعات وقتئذ إلى القيام بأقسى الأعمال، ويزيد في الثورات أيضًا ما تتصف به الجماعات

في الأحوال العادية من سرعة التصديق فتعتقد صحة ما لا يمكن تصديقه من الأقاصيص،

ومن ذلك رواية أرثور يانغ أن الشعب قبض، عندما كان يزور أيام الثورة الفرنسية

روح الثورات والثورة الفرنسية

المنابع القريبة من كلرمون، على دليله لاعتقاده أنه جاء لينسف المدينة كما أمرته الملكة،

ثم أخذ الناس، بعد ذلك، يتناقلون أشنع الأحاديث عن بيت الملك عادِّين إياه من الغيلان

والعفاريت.

والإنسان، وهو جزء من الجماعة، يهبط كثيرًا من سلم الحضارة فتصدر عنه عيوب

الشراسة ومزاياها، أي أنواع الظلم والاستبداد وأنواع الحماسة والبطولة، فالجماعة وإن

كانت من الجهة العقلية أدنى من الرجل المنفرد قد تكون أسمى منه شعورًا وخلقًا،

ويسهل عليها أن تقترف إثمًا كما يسهل عليها أن تضحي بنفسها.

وتتلاشى الأخلاق الشخصية في الجماعات لما لها من التأثير في أفرادها، فيصيح

فيها البخيل متلافًا والملحد معتقدًا والصالح مجرمًا والنذل بطلًا، وما أكثر أمثلة هذه

التحولات أيام الثورة الفرنسية.

والإنسان يبدي، وهو مجتمع، سواء أمن المحلفين كان أم من أعضاء الپرلمان، ما لا

يخطر بباله وهو منفرد من حكم في قضية أو رأي في قانون.

ومن أهم النتائج التي تنشأ عن تأثير الجماعة في أفرادها: توحيد مشاعرهم

وعزائمهم، ومن هذه الوحدة النفسية تكتسب الجماعات قوة عظيمة، والباعث على تكوين

هذه الوحدة النفسية هو انتشار المشاعر والحركات والأعمال بين الجماعة بالعدوى على

الخصوص.

وكيف تحدث تلك الإرادة والمشاعر المشتركة؟ إنها تحدث بالعدوى، ولكن تكوين

هذه العدوى يتطلب مصدرًا، وهذا المصدر هو الزعيم الذي سنتكلم، قريبًا، عن تأثيره في

الحركات الثورية، فالجماعة بلا زعيم تعجز عن السير والحركة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت