فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 143

قُدِّر على المجتمعات المتمدنة كلها أن تشتمل على جماعة من المنحطين وشذاذ الآفاق

والمذنبين والأشرار واللصوص والقتلة الذين يتألف منهم فريق المدن الكبيرة المحرم،

والوازعون لهم أيام السلم إنما هم الشُّرَط، أي رجال البوليس، ولكن لا رادع لهم أيام

الثورات، فيسهل عليهم فيها أن يقتلوا ويسلبوا، ومنهم يجمع رجال الثورة جنودهم،

وهم - لعدم طمعهم في غير القتل والنهب - لا يبالون بالغاية التي يدافعون عنها ولا

يتأخرون ساعة عن الانضمام إلى الحزب المتقهقر حينما يكون حظهم من القتل والسلب

عنده أكثر.

ويضاف إلى هؤلاء المجرمين الذين هم داءُ المجتمعات العضال، الفريق الذي يأتي

المنكر وقتما يستحوذ عليه الخوف من النظام السائد والذي لا يلبث أن ينضم إلى زمر

العصاة حينما يعتري هذا النظام وهن، ويتألف من هذين الفريقين جحفل مخل بالنظام،

وعليه يعتمد الثوريون والقائمون بالفتن الدينية والسياسية.

قلنا في فصل آخر إن هذه الفئة المجرمة كانت عظيمة النفوذ أيام الثورة الفرنسية،

وقد قص علينا بعض المؤرخين - وهم خاشعون - خبر الأوامر التي كانت تحملها

إلى مجلس العهد وهي مسلحة بحراب على رؤوسها هامات مقطوعة، ولو بحثنا عن

العناصر التي كانت تتألف منها هذه الفئة التي ادعت أنها وكيلة الشعب لرأينا أن

أكثريتها من اللصوص والأشرار وأن أقليتها من ذوي النفوس الساذجة الذين يسيرون

حسبما يحرضهم الزعماء، وإلى أولئك اللصوص والأشرار تُعْزَى المذابح الكثيرة كمذابح

شهر سبتمبر وقتل الأميرة لانبال.

حقٍّا إنها أرهبت جميع المجالس التي قامت منذ المجلس التأسيسي حتى مجلس

العهد وعاثت في فرنسة مدة عشر سنين، ولو أن معجزة قضت عليها لكان سير الثورة

الفرنسية غير ما وقع، فقد ضرَّجتها بالدماء منذ فجرها حتى غروبها، وليس للعقل

سلطان عليها، وهي للعقل من القاهرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت