فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 143

الفصل الثاني

الثورات الدينية

سنخصص جزءًا من هذا الكتاب للبحث في الثورة الفرنسية الحافلة بالمظالم الناشئة عن

عوامل نفسية.

هذه الثورة الشاذة تفعمُ القلوب حيرة، ويلوح للناظرة غموض أمرها مع أن سرها

يتجلى عند اعتبارها دينًا جديدًا تابعًا لنواميس انتشار المعتقدات.

فسوف نرى، عندما نبحث في ثورة الإصلاح الدينيِّ الكبرى، أن ما شوهد في أيامها

من الأحوال النفسية شوهد مثله أيام الثورة الفرنسية، فقد رئي في هاتين الثورتين أن شأن

العقل ضئيل في انتشار المعتقد، وأن الاضطهادات فاقدة التأثير، وأن تسامح المعتقدات

المتباينة مستحيل، وأن أشد المظالم والملاحم يصدر عن تصادم العقائد المختلفة، وأنه

يستحيل تبديل عقيدة الناس قبل تبديل كيانهم.

فبعد أن يثبت عندنا ذلك كله ندرك السبب في انتشار إنجيل الثورة الفرنسية وَفقَ

الطرق التي انتشرت بها الأناجيل الدينية الأخرى، ولا سيما إنجيل كالْ?ن.

وإذا وجد شبهٌ شديد بين تكوين الثورات الدينية، كثورة الإصلاح الديني، وتكوين

الثورات السياسية، كالثورة الفرنسية، فإن هنالك فرقًا ظاهرًا بين نتائجهما، وهذا الفرق

يوضح لنا السرَّ في تفاوت دوامهما، وبيان ذلك: أنه ليس في الثورات الدينية تجربة تثبت

للمؤمنين ضلالهم؛ لأن ذلك يستدعي اطلاعهم على ما في اللوح المحفوظ، وأما الثورات

السياسية فإن تجربتها لم تلبث أن تثبت ما في المذاهب السياسية من الخطأ والضلال

فيضطر الناس - إذ ذاك - إلى تركها، فعلى هذا الوجه اضطر أشد اليعاقبة تعصبًا إلى

العدول عن طريقتهم عندما رأوا في أواخر عهد الديركتوار أن تطبيق المعتقدات اليعقوبية

روح الثورات والثورة الفرنسية

أوجب إشراف فرنسة على الخراب والشقاء، ولم يدُم من نظرياتهم سوى بضعة مبادئَ

يصعب تحقيق أمرها، كمبدأ السعادة القائل: إن المساواة أساس سعادة الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت