فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 143

الفصل الثالث

الفوضى النفسية أيام الثورة الفرنسية وما

نسب إلى الفلاسفة من الشان

حياة الإنسان الظاهرة عنوان حياة خفية نشأت عن التقاليد والمشاعر، والحياة الخفية

هي التي ترشد الإنسان وتحدِث فيه مبادئ مهيمنة، وإذا أصاب هذه المبادئ وهن فإن

مبادئ أخرى تنبُت في مكانها.

والغاية من هذه الملاحظات هو تنبيه القارئ إلى أن ما تأتي به الثورات من الحوادث

الظاهرة هو نتيجة نشوء خفيٍّ وقع في النفوس شيئًا فشيئًا، وإلى أن البحث الدقيق في

إحدى الثورات يتطلب فحص البقعة النفسية التي نبتت فيها مبادئ هذه الثورات.

يظل نشوء المبادئ التدريجي خفيٍّا مدة جيل واحد في الغالب، ولا يمكن إدراك

اتساع دائرته إلا بقياس ما عند الطبقات الاجتماعية من الأحوال النفسية في أول الجيل

وآخره، ويجب للاطلاع على الأفكار المختلفة التي كان ينظر بها العلماء إلى الملكية في عهد

لويس الرابع عشر ولويس السادس عشر أن نقابل نظريات بوسويه بنظريات تورغو

السياسية، فهنالك نرى أن بوسويه، الذي كان يقول: إن سلطة الحكومة مستمدة من لله

الذي يحاسب الملوك وحده، وإن الملوك غير مسؤولين أمام الناس - كان يُعَبِّر عن إيمان

الناس بالملكية المطلقة إيمانًا دينيٍّا، ونرى أن ما كتبه الوزراء المصلحون - كالوزير

تورغو - كان مشبعًا من روحٍ أخرى تعترف بحق الأمة من دون حق الملوك الإلهي.

والحوادث التي أوجبت هذا التحول كثيرة، منها الحروب والقحط والضرائب والبؤس

العام الذي وقع في آخر عهد لويس الخامس عشر، فقد أقامت هذه الحوادث مقام احترام

سلطة الملك - التي تزعزعت بالتدريج - ثورة في النفوس مستعدة للظهور عند سنوح

أول فرصة.

ومتى بدأ المزاج النفسي في الانحلال لم يلبث أن يتم انحلاله، بهذا نفسر سرعة

انتشار كثير من المبادئ بين الناس أيام الثورة الفرنسية، فهذه المبادئ التي لم تكن

حديثة لم يظهر تأثيرُها قبل حدوث تلك الثورة؛ لعدم مصادفتها بيئة صالحة، وإن

شئت فقل إن المبادئ التي استهوت الناس أيام الثورة الفرنسية رددها البشر كثيرًا في

الماضي، فهي التي أوحت إلى الإنكليز خطتهم السياسية فيما مضى، وقد دافع علماء

اليونان واللاتين عن الحرية منذ ألفي سنة لاعنين المستبدين معلنين ما للسلطة الشعبية

من الحقوق، ومع أن أبناء الطبقة الوسطى تعلموا جميع هذه المسائل كآبائهم في الكتب

المدرسية فإنها لم تحرك ساكنهم لبُعد الوقت الذي تستطيع أن تهيجهم فيه، وكيف

تؤثِّر في الأمة في زمن تعودت فيه احترام المراتب؟

وتأثير الفلاسفة في حدوث الثورة الفرنسية غيرُ ما يعزى إليهم، فهم لم يكتشفوا

شيئًا جديدًا، وإنما أنموا روح الانتقاد التي لا تقاومها المعتقدات عندما تبدأ في الانحلال،

وقد نشأ عن نمو روح الانتقاد تدرُّج الناس إلى ازدراء ما كان محترمًا، ومتى اضمحلت

التقاليد والحُرُمات سقط البنيان الاجتماعي بغتةً.

أثَّر الفلاسفة في الطبقات المتعلمة، وعجزوا عن التأثير في الشعب الذي يقتدي ولا

يبتدع، وكان أكثر المصلحين حماسة في ذلك الزمن من أصحاب الثروة، وكان الأشراف

ينشطون إلى مباحث العقد الاجتماعي وحقوق الإنسان ومساواة الوطنيين، ويهتفون

للروايات التمثيلية المنتقدة أصحاب الرتب العالية واستبدادَهم وعدم أهليتهم.

ومتى فقد الناس ثقتهم بأركان المجتمع عمهم اضطراب فاستياء، وشعرت طبقات

المجتمع بزوال العوامل التي كانت تسيِّرُها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت