فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 143

(4) طبقات الأمة

يقال في الرد على بعض الأفكار إن الأمة ذات كيان لاهوتي حائز جميع ما يمجده رجال

السياسة ويسهبون في ذكر ما له من القوى والفضائل، وسنبدي رأينا في ذلك عند بحثنا

الآن عن شأن الأمة في الثورة الفرنسية.

إن الأمة، عند المتقدمين والمتأخرين من اليعاقبة - كالآلهة - ذات شخصية سامية

لا تُسأل عما تفعل ولا تخطئ أبدًا، فالجميع مسؤول عن إطاعتها وإن جاز لها أن تقتل

وتنهب وتُحرق وتأتي أقسى المظالم وتَطرح غدًا في الدرك الأسفل مَنْ رَفَعَتْه اليوم إلى

مصافِّ الأبطال، ولا يعدل رجال السياسة عن السجود أمام أحكامها مسبحين بحمد

فضائلها وحكمتها العالية.

فما حقيقة الأمة، أي المعبود الذي يقدسه الثوريون منذ قرن؟

يمكن تقسيمُها إلى قسمين: فالقسم الأول يشتمل على الفلاحين والتجار وأرباب

الحرفة، أي على من يحتاجون إلى السكينة والنظام ليقوموا بمهنهم، ويغفل المؤرخون

أمر هذا الفريق الذي هو أكثرية الأمة، والذي لا يقوم بالثورات أبدًا، والذي يعيش عيش

عناءٍ وسكوت.

وأما القسم الآخر، الذي له شأن مهم في الفتن القومية كلها، فهو ثمالة اجتماعية

هادمة ذات نفسية أثيمة، أي هو أناس يتألف من مجموعهم جيوشٌ متمردة حوَّلها

البؤس وإدمان المسكرات إلى لصوص وصعاليك.

فالخوف من العقاب يردع الكثير من هؤلاء الأخلاط المشائيم عن اقتراف الجرائم

في الأوقات العادية، ولكنهم لا يتأخرون عن ارتكابها عندما تستطيع غرائزُهم المنحطة

أن تسير حرة، فهم الذين كانوا يستولون - بتأثير زعمائهم - على مجالسنا الثورية

الكبرى ويقترفون أنواع القتل والنهب والتحريق غير مكترثين للنظريات والمبادئ أبدًا.

وينضمُّ - بتأثير العدوى - إلى هذه الطبقة المنحطة جماعةٌ من العاطلين الذين

يصرخون مع كل ناعق ويتمردون مع كل متمرد من دون أن يفقهوا شيئًا من المسألة

التي يصرخ من أجلها ويتمرد.

ولا يعرف الخطباء غير هذه الجماعات المشاغبة الضارة التي هي آلة كل عصيان

منذ القديم والمؤلفة من الرِّعاع الذين قال تِيَارُ عنهم»:إنهم لم يتغير منهم شيء منذ

الأزمنة التي رآهم فيها ناسِيتُ يصفقون لجرائم القياصرة، وإنهم يتأهبون لتدنيس

المجتمعات باقترافهم أنواع الجرائم مجيبين نداء كل سلطة لوصم كل مبدأ. «

لم يمتد شأن الرِّعاع في دور امتدادَه أيام الثورة الفرنسية، فمنذ تفلتوا من قيدهم

سنة 1789، أي قبل دور العهد بقليل، أخذوا في ذبح الناس، وقد شرَّحوا المسجونين وهم

أحياء، ومثلوا بهم؛ لتمتد آلامهم ويتسلى الحضور باضطرابهم ونُواحهم.

هكذا يسير الرعاع عندما تقضي الأيدي الغافلة على الزواجر الرادعة لغرائزهم

المتوحشة المنتقلة إليهم بالوراثة، فلو تكاثف هؤلاء الرعاع طرفة عين؛ لظهر هذا الجسم

غولًا طاغيًا قليل العقل سفَّاكًا للدماء.

على أنه يسهل التغلب على هؤلاء الرعاع عندما يقف في وجههم جبار عنيد، فقد

أعانوا كل استبداد، وأيقن القياصرة أنهم يصفقون لهم سواء أكاليغولا كان اسمهم أم

نيرون أم روبسپير أم بولانجه.

وبجانب هذه الزمر المخربة ذات الشأن الكبير في الثورات نذكر فريق الأمة الذي لا

يصبوا إلا إلى الجد والعمل كما بينا ذلك سابقًا، فهذا الفريق، وإن كان يستفيد أحيانًا

من الثورات، لا يفكر في القيام بها، ولا يعلم رجال الثورة من أمره إلَّا قليلًا.

نعم، قد يجعله الخوف مطيعًا فيقوده الزعماء بنفوذهم إلى اقتراف المظالم، ولكن

مقومات الأمة الوراثية لم تلبث أن يثقل ميزانها فيضجر ذلك الفريق من الثورات فتدفعه

روح الأمة الثابتة إلى الوقوف أمام الفوضى عندما تستفحل باحثًا عن رئيس قادر على

إعادة النظام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت