التي سادت على الدنيا، واختطوا الممالك الشاسعة التي امتدت فوق السطحين.
غير أن الأمثلة التي ذكرناها تختص بقواد عظام يندر ظهورهم، فمن السهل على
التاريخ حصرهم، وهم رأس سلسلة تتدلى من أولئك القواد العظام إلى العامل الذي يقف
في قهوة أطبق الدخان في سمائها ويسترعي أسماع أخوته وهو يلوك صيغًا حفظها من
دون أن يدرك معانيها، ولكنه يؤكد أن في العمل بها تحقيق جميع الأماني والآمال.
لا يلبث الإنسان أن يقع تحت حكم قائد يتبعه كلما خرج عن العزلة إلى الجماعة،
ذلك أمر واقع في جميع الطبقات أرقاها وأدناها، فأما أفراد طبقة العامة فإن الواحد
منهم متى خرج عن حرفته أو مهنته لا تجد عنده فكرًا واضحًا في أمر من الأمور، وكلهم
كفء لقيادة ذاته، ومرشدهم هو القائد، وربما أمكن الاستعاضة عنه بتلك الصحف
الدورية التي تصنع لقرائها أفكارًا وتحصل لهم جملًا مصوغة تغنيهم عن التفكير، إلا
أن البدل لا يقوم مقام الأصل تمامًا.
من لوازم سلطة القواد أن تكون مستبدة، على أن استبدادهم هو علة سيادتهم، وقد
لوحظ كثيرًا أن فيهم مقدرة على إطاعة طبقات العمال الذين هم أشد عربدة وأصعب
مراسًا مع تجرد أولئك القواد من كل شيء يستندون عليه في سلطتهم، فهم يحددون
ساعات العمل ويقررون الاعتصابات وينفذونها بميقات ويفضونها بميقات.
قواد هذه الأيام صائرون إلى الحلول مكان السلطات الحاكمة، كلما تركت هي
الناس يبحثون فيها ويضعفون من نفوذها وتعسُّف المولى الجديد وظلمه يجعل الجماعة
تطيعه بسهولة أكثر مما أطاعت حكوماتها، وإذا حدث حادث اختفى بسببه القائد
ولم يول الخلف على الأثر تصبح الجماعة جمهورًا مفكك الأجزاء، ولا قدرة فيها، فلما
اعتصب عمال شركة الأمنيبوس اعتصابهم الأخير في باريس وقبض على الرئيسين اللذين
كانا القائدين بطل الاعتصاب لساعته، إنما الحاجة التي يشتد شعور الجماعة بها هي
الخضوع لا الحرية.
وقد بلغ منها الظمأ إلى الطاعة أنها تخضع بفطرتها لكل من ادعى السيادة عليها.
تنقسم القواد إلى فريقين ممتازين، فقواد أولو عزم وإرادة قوية لكنها وقتية، وقواد
ذوو إرادة جمعت بين القوة والدوام وهؤلاء قليلون، والفريق الأول أصحاب حدة ونزق
وشجاعة وإقدام، وهم على الأخص نافعون في تنفيذ ما دبر أو كسب الجموع بلا خوف
من الخطر، وفي جعل الجبان بطلًا مغوارًا ذلك مثل (ناي) و (مورات) زمن الإمبراطورية
الأولى، ومثل (غاريبالدي) في عصرنا هذا، فإنه كان رجلًا هجومًا لا ذكاء فيه، لكن ذا
عزم ومضاء، وبذلك تمكن مع نفر قليل من الاستيلاء على مملكة (نابولي) القديمة على
رغم الجيش المنظم الذي كان يحميها.
عزيمة أولئك القواد على قوتها قلما تبقى بعد زوال السبب الذي دعا إليها، وكثيرًا
ما يبرهن الذين تجملوا بها على ضعف مدهش متى عادوا إلى حياتهم الاعتيادية كالذين
ذكرناهم، فتراهم لا يستطيعون التصرف في أصغر الحوادث مع كونهم كانوا ماهرين في
تصريف غيرهم، أولئك قواد لا يمكنهم القيام بوظائفهم إلا إذا كانوا أنفسهم مقودين،
وكان لهم مهيج على الدوام، واستولت عليهم يد أو فكر من الأفكار وساروا في طريق
مرسوم من قبل. أما الفريق الثاني من القواد وهم ذوو الإرادة الثابتة، فإن تأثيرهم أعظم
بكثير وإن كانوا أقل ظهورًا في الشكل، وهم الذين نبغ من بينهم أصحاب الأعمال الكبيرة
كالقديس (بولص) ومحمد صلى الله عليه وسلم و (كريستوف كولومب) و (دولسبس) ،
وسواء كان قواد هذا الفريق من الأذكياء أو الأغبياء لهم الدنيا أبد الآبدين، لأن الإرادة
الثابتة التي اتصفوا بها ملكة نادرة الوجود لكنها قوية يخضع لها كل شيء، إلا أن الناس
لا يدركون دائمًا ما عسى أن يكون من وراء الإرادة القوية المستمرة، فالذي يكون من
ورائها هو أنه لا شيء يقف أمامها، حتى الطبيعة حتى الآلهة حتى الرجال.
وأقرب الأمثال على ما تأتي به الإرادة القوية الثابتة هو ذلك الرجل العظيم الذي