نتج من هذا أنه ينبغي النظر إلى كتب التاريخ كأنها كتب أملاها الخيال لاحتوائها
على روايات وهمية لحوادث اصطحب بالشك وقوعها تحت الحواس وأرُدفت بشروح
متأخرة عنها، وعليه فإن عمل أي عمل كيفما كان رديئًا أولى من قتل الوقت في وضع
مثل تلك التآليف.
ومن سوء الحظ أنه لا ثبات للأقاصيص وإن سجلت في بطون كتب التاريخ؛ لأن
خيال الجماعات لا ينفك بغيرها وبحرفها مدى الزمن، بدليل ما نعرفه الآن من الفرق
العظيم بين يهوذا ذلك الوحش الكاسر الذي جاء ذكره في الإنجيل ويهوذا إله الحب الذي
ذكره القديس (تيريز) ، وبدليل أن (بوذا) الذي تعبده الصين لم يبق بينه وبين (بوذا)
المعبود في اليابان وجه شبه ما.
بل إنه لا يلزم أن تتعاقب الأجيال لتتغير صور عظماء الرجال في خيال الجماعات،
فإن هذا الانقلاب قد يحصل في بضع سنين أنَّا شاهدنا قصة أعظم رجال التاريخ تقلبت
عدة مرات في أقل من خمسين عامًا. ففي عهد آل (بوربون) كان نابليون رجلًا يحب
الإنسانية، حر الأفكار صديقًا للضعفاء، ولو صدق الشعراء لبقي ذكره في أكواخهم
(الفقراء) زمنًا مديدًا. وبعد ثلاثين سنة صار البطل الكريم مستبدٍّا سفاكًا استلب الحكم
والحرية، وأهلك ثلاثة آلاف ألف من النفوس في سبيل أطماعه. واليوم نحن نشهد صورة
جديدة لنابليون، فإذا انقضى عليه بضع عشرات من القرون داخل الريب علماء ذاك
الزمان أمام هذه الروايات المتناقضة في وجود هذا البطل، كما يشك بعضهم الآن في وجود
بوذا، وقد لا يرون فيه إلا خرافة أو صورة مكبَّرة من صورة (هرقل) اليوناني، غير
أنه سيكون لهم من معرفة روح الاجتماع ما يُسري الحزن عنهم لقاء هذا الشك وخفاء
الحقيقة، إذ يعلمون التاريخ إنما يقلد الخرافة والأقاصيص.