وأول مراتب التأثير في هذه الحوادث وأمثالها هو على الدوام ما يتولد من الخيال
عند أحدهم بسبب حضور بعض المشابهات المبهمة في ذاكرته، ثم يتدرج من ذلك إلى
القول بما تخيل فتنشأ عدوى التأثر بذلك الخيال الأول. فإذا كان أول من يقع الحادث
تحت حواسه سريع التأثر يكفي أن يكون في الجثة التي تعرض عليه علامة أو أثر
خاص كالذي قد يكون في الجسم الذي سبقت له معرفته ليتخيل أنها هي ولو لم يكن
بينهما أدنى شبه حقيقي في الخلقة، إذ ذاك يصير الخيال الأول أشبه بنواة ذات تبلور
تحتل ساحة الإدراك وتعطل ملكة التمييز تمامًا. وحينئذٍ لا يرى الإنسان الشيء الذي
أمامه نفسه بل الصورة التي خيلت إليه. ومن هنا نفهم السر في خطأ الأمهات اللاتي
يُخيل إليهن أنهن يعرفن جثث أولادهن كما وقع في الحادثة الآتية، وهي وإن تكن قديمة
العهد لكن الجرائد ذكرتها أخيرًا، ومنها يدرك القارئ درجة التأثر الذي بينا كيفيته.
عرف غلام جثة غلام وكان مخطئًا، وترتب على ذلك أن أشخاصًا كثيرين عرفوا الجثة
كما عرفها الأول، وحدث على أثر هذه المعرفة المتكررة أمر من الغرابة بمكان؛ إذ جاءت
امرأة في اليوم الثاني وهي تصيح: ربي إنه ولدي، فلما دخلت عليه أخذت تقلب ثيابه
فرأت جرحًا في الجبهة، فقالت: نعم، هذا ولدي فقدته منذ شهر يوليو الماضي، ولقد
سرقوه مني ثم قتلوه. وكانت هذه المرأة حارسة باب أحد المنازل واسمها (شافاندريت) ،
ثم جيء بزوج أختها، فما وقع نظره على الجثة إلا وقال هذا فيليبير. كذلك عرفه كثير
من سكان حارته كما عرفه معلم المدرسة؛ إذ رأى في عنقه تميمة من الذهب كانت لديه
حجة دامغة على أنه هو ابن تلك السيدة. أجل كل أولئك الناس كانوا مخطئين، وبان بعد
ستة أسابيع أن الجثة جثة ولد من أهل مدينة (بوردو) قُتل هناك وحملته شركة النقل
إلى باريس. 5
والذي تجب ملاحظته هو أن هذه المعرفة تقع غالبًا من النساء أو الصبيان، أعني
من الأشخاص شديدي التأثر أكثر من غيرهم، وذلك يدلنا على مقدار قيمة مثل هذه
الشهادات أمام القضاء. فالواجب أن لا يلتفت إلى قول الصبي بحال من الأحوال. يقول
القضاة مجمعين إن الإنسان في هذا السن لا يكذب. ولو أنهم ارتقوا في معرفة أحوال
النفس درجة لعلموا أنه فيه يكذب على الدوام. نعم إنهم غير آثمين فيما يكذبون، ولكنهم
على كل حال يكذبون وإلا لكان الأولى أن تبنى العقوبات على أحد وجهي الدينار(طره
ولّا ياز)من أن تبنى على شهادة صبي.
ولنرجع إلى مشاهدات الجماعة فنقول: إنها أكثر المشاهدات خطأ وإنها في الغالب
عبارة عن خيال، فردٌ واحد سَرَتْ عدواه إلى الجميع. وقد لا نفرغ من سرد الأمثلة التي
توجب علينا الحذر والحيطة في الأخذ بشهادة الجماعة، فقد حضر ألوف من الناس
منذ خمس وعشرين سنة حملة الفرسان في واقعة (واترلو) ، ومع ذلك يستحيل معرفة
القائد الحقيقي لهذه الحملة نظرًا لتناقض أقوال من شهدوها. وأثبت الجنرال (ولسلي)
الإنكليزي في كتاب نشره أخيرًا أن الرواة أخطأوا خطأ فاحشًا حتى الآن فيسردهم الوقائع
في حرب (سدام) ، وهي التي أجمع المئات من الناس على صحتها. 6
هذه الحوادث تدلنا على قيمة شهادة الجماعات. نعم إن كتب المنطق تعد إجماع
العدد الكثير على الشهادة من أقطع الأدلة التي يمكن إقامتها لإثبات أمر من الأمور،
ولكن الذي نعرفه من علم أحوال النفس يرشدنا إلى أنه يجب أن تؤلَّف كتب المنطق في
هذا الموضوع من جديد، فالشك كل الشك في الوقائع التي رواها الجم الغفير، والقول بأن
الأمر شوهد في الزمن الواحد من ألوف من الشهود هو في الغالب قول بأن الواقع يخالف
كثيرًا ما اتفق أولئك الشهود عليه.