وعندما بلغ قائد حامية بغداد ما فعله نائبه في تكريت، نجم الدين؛ في استضافته لخصمه عماد الدين زنكي، بعث إليه رسولا ليعاتبه على إحسانه لعدو سلاجقة العراق وإطلاق سراحه بعد أن كان قد وقع في يديه، وزاد موقف قائد حامية بغداد حرجا عندما بلغه أن أسد الدين شيرکوه (1) قد قتل أحد سكان تکريت بسبب تعرضه لإحدى النساء، فأصدر أمره إلى نجم الدين بمغادرة تکريت وجميع أفراد عائلته، ولم يكن باستطاعة قائد حامية بغداد معاقبة اسد الدين شيرکوه بعقوبة أكثر من ذلك نظرا لما بين الطرفين من صداقة قديمة ترجع إلى زمن أبيه،
وفي هذه الفترة الحرجة من أواخر عام (532 ه/ 1137 م) ولد صلاح الدين النجم الدين أيوب، واضطرت العائلة لمغادرة تكريت، وربما كان في الليلة التي ولد فيها الطفل المذكور، ولم يكن هناك ملجأ أكثر أمنا لهذه العائلة الطريدة من کنف الأمير الذي أحسنوا إليه قبل عدة أعوام. ولم ينس زنكي الإحسان، فاستقبل عائلة بني أيوب أحسن استقبال، وأقطع رجالاتها الإقطاعات الواسعة، وأتاح للأخوين نجم الدين وأسد الدين الانخراط في قواته، والإشراف على تربية أبنائه، والاشتراك في الحروب التي خاضها في الشام ضد الصليبيين.
وظلت العائلة الأيوبية تنعم بحماية زنكي، وأخذت علاقاتها به تزداد وثوقة يوما بعد يوم، وعندما استولى على بعلبك عام (534 ه/ 1138 م) عين نجم الدين أيوب والية عليها وأقطعه ثلثها، فاستقر هناك هو وأفراد العائلة الأيوبية، وظل يمارس مهام عمله كوال لزنكي حتى مقتل الأخير عام (541 ه/ 1146 م) ، وكان صلاح الدين خلال تلك الفترة قد ترعرع في كنف والده، وبدت عليه سيماء النجابة والذكاء، والتمعت عيناه ببريق القوة.
وهكذا قدر لزنكي أن يمارس دورة كبيرة هامة في إظهار العائلة الأيوبية في المجالات السياسية والعسكرية والإدارية، وأن يمهد لها الطريق إلى المكانة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان شادي بن مروان والد كل من نجم الدين أيوب وأسد الدين شيرکوه، من أكراد بلدة «دويق) الواقعة على حدود إقليم أذربيجان قريبا من تفليس (أبو الفدا، تقويم البلدان ص 399) ، وقد غادر بلدته تلك بصحبة ولديه إلى بغداد بحث عن عمل، وهناك انتظموا في خدمة مجاهد الدين بهروز قائد حامية العراق، فوجههم إلى تكريت التي كانت إحدى إقطاعاته، وبعد وفاة شادي عين بهروز ابنه نجم الدين حاكما، مستحفظة، لتكريت. الباهر 119، 120، والروضتين 2/ 329، 330 و 534، 537).