فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 654

الرابطة بين محافظة القادة على الهدف والتزام الجماهير بهذا الهدف أيضا هي المقياس الصحيح لتقويم القادة وأعمالهم؛ فدمشق التي فتحت ذراعيها للمظفر قطز بعد عين جالوت، هي نفسها التي تمردت على «الظاهر بيبرس» في بداية عهده، ثم منحته الدعم والتأييد وسارت معه حتى نهاية الصراع، عندما أظهر التزامه بالمحافظة على الهدف الذي حققه المظفر قطز» في عين جالوت. وكذلك الأمر بالنسبة لبقية جيوش الشام التي ما أن عرفت بانتصار المماليك في عين جالوت حتى منحتهم قيادتها وخضعت لهم من أجل الاستمرار في السير على الطريق نحو الهدف. وقد يكون لقادة المسلمين دورهم الكبير في المحافظة على الهدف، إلا أن دور جماهير المسلمين يبقى هو العامل الأقوى، فهو الذي حدد الهدف وهو الذي حافظ عليه، وحمل القادة على الالتزام به.

لم يكن انتصار المسلمين في مصر على قوات الغزو في دمياط والمنصورة سوى نتيجة ضرب مؤخرات العدو وحرمانه من موارده الإدارية، ولم يكن ضعف الصليبيين نتيجة استنزافهم المستمر إلا بسبب ضعف المؤخرات والشؤون الإدارية. وقد عرف قادة المسلمين أهمية هذا المبدأ من خلال ممارساتهم، فعملوا باستمرار على ضمان أمن المؤخرات، وتأمين الإمداد الإداري للقوات بشكل مستمر. وتبرز مسيرة الأحداث أن اهتمام القادة باستمرار قد تركز على تكوين احتياطات من القدرة البشرية ومن وسائط القتال لمجابهة احتمالات تطور الصراع.

وقد يذهل القارئ عند متابعة صفحة الصراع في الحرب طويلة الأمد من ظاهرة توافر قوات احتياطية للعمل باستمرار، ولم يكن ذلك سوى نتيجة الجهد الدؤوب للقادة على اختلافهم بإعداد المؤخرات وضمان الإمداد الإداري. وهكذا، فقد كان جهد القادة مركزة في اتجاهين: الاتجاه الأول، هو حماية مؤخرات المسلمين وتأمينها إدارية، والاتجاه الثاني، هو ضرب مؤخرات العدو وحرمانها من مواردها الإدارية.

وعن هذا الطريق استطاع قادة المسلمين تحطيم التفوق لدى أعدائهم وتحويل ميزان القوي لمصلحتهم باستمرار. وهل اتفاق المظفر قطز» مع مملكة عكا، قبل عين جالوت، سوى اتفاق لحماية مؤخرة قوات المسلمين وضمان الإمداد الإداري للقوات، مقابل حرمان المغول من استخدام هذا المبدأ؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت