الجيش، وعاد ابيبرس، إلى القاهرة، وقد أصبح سلطانة على مصر (1)
تعتبر معركة عين جالوت» من أهم المعارك الحاسمة في التاريخ، على الرغم من أنها من الناحية العسكرية ومن ناحية العمليات، نموذج لكمين كبير يقوم به جيش ضد جيش آخر، وهو نموذج سبق استخدامه في التاريخ. ولكن أهمية المعركة تكمن في قهر الجيش الذي انتقل من نصر إلى نصر على امتداد أربعة آلاف ميل. وتبرز أهمية معركة عين جالوت» في أنها أنقذت الإسلام من أخطر تهديد تعرض له. وكان من نتيجة المعركة أيضا دعم المغول (الإيلخانية) وحملهم على اعتناق الإسلام والدفاع عنه. وعلت هذه المعركة بزوال الإمارات الصليبية؛ إذ استعاد المسلمون قدرتهم بسرعة فائقة، وأصبح بإمكانهم العمل للتخلص نهائيا من أعداء الدين. وبذلك تكون معركة عين جالوت» نقطة التحول الحاسمة في الصراع ضد الصليبيين وضد المغول في وقت واحد، هذا بالرغم من أن الصليبيين قد رغبوا في التعاون مع التتار لتدمير المسلمين بصورة نهائية، وتبقى نتائج معركة عين جالوته أكثر أهمية بكثير من المعركة ذاتها.
انصرف ابيبرس» لتوطيد حكمه، وقد وضع هدفه الأول إنزال العقاب بالمسيحيين الذين سبق لهم أن قدموا الدعم للمغول، وتركز غضبه بصورة خاصة على «هيثوم، ملك أرمينيا، و «بوهمند» أمير أنطاكية، فأرسل في نهاية فصل الخريف من سنة (1291 م) جيشأ للسيطرة على حلب، وشن الغارات الواسعة على أملاك أنطاكية. وتجددت الغارات في الصيف التالي، وتعرض ميناء السويدية للتخريب والنهب، وتم تهديد مدينة أنطاكية ذاتها. غير أن «هيثوم» أستنجد بهولاكو، ثم وصل بقوة مؤلفة من المغول والأرمن في الوقت
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) السلطان بيبرس، هو: ركن الدين بيبرس البندقداري (1210 - 1277 م/107 - 179 ه) ينتمي
إلى الأتراك القبجاق، ضخم الجثة، أسمر البشرة، أزرق العينين، و صوت جهوري شديد الوقع، وصل إلى الشام لأول مرة بين عدد من الأرقاء، وجرى عرضه للبيع على أمير حماة الذي فحصه، فاعتقد أنه غلام جلف غليظ، غير أنه أثناء عرضه بالسوق لفت نظر أحد الأمراء المماليك وهو (البندقداري) الذي أدراك ما عليه من ذكاء. وتم شراء ابيبرس، وألحق بالمماليك السلطانية، فارتفع شأنه منذئذ بسرعة، فلما أحرز النصر على الفرنج سنة (1244 م) صار يعتبر من أكفأ عساكر المماليك، ويرهن على أنه رجل مسياسي من الطراز الأول، بقدر ما برهن على كفاءة قيادية عالية في الحرب.