واطمأن الملك العادل» إلى استقرار الأمور، بعد أن بلغ من الكبر ما يجعله يجنح إلى فترة من الهدوء، ولكن الحملة الصليبية الخامسة لم تلبث أن ظهرت في النهاية، يوم (24) آب - أغسطس (1218 م/117 ه) ، وهي تشن هجومها على دمياط، ولم تمض أكثر من أربع وعشرين ساعة حتى استطاع الصليبيون، بعد قتال عنيف، أن يتخذوا مواضعهم على أسوار حصن دمياط، وأن يتدفقوا إلى داخله، وظلت الحامية تقاتل بعناد حتى لم يبق على قيد الحياة إلا مائة رجل أرغموا على التسليم. ووقع في أيدي الصليبيين ما كان بالحصن من غنيمة ضخمة، وأقام الغزاة جسرة صغيرة نقلوا عليه هذه الغنيمة إلى الشاطئ الغربي، ثم قطعوا السلسلة وأزالوا الجسر الذي يعترض القناة الرئيسية، فأضحي بوسع سفنهم اجتياز النهر من أجل الوصول إلى أسوار دمياط. وكان الملك العادل» مريضة بدمشق حينما جاءه بعد أيام قليلة أنباء سقوط دمياط في أيدي الصليبيين. لقد سمع منذ زمن وجيز أن ابنه «المعظم» استولى على قيسارية ودمرها، غير أن صدمة الكارثة التي حلت بدمياط كانت أقوى من أن يحتملها، فمات في (31 آب - أغسطس 1218 م/117 ه) ، وقد ناهز الخامسة والسبعين من عمره. (1)
أعاد الملك «الكامل» تنظيم قواته في مصر، وقام بمجموعة من الهجمات عبر النيل، في شهر تشرين الأول - أكتوبر (1218 م) ، وكان هناك احتمال للنجاح لولا وصول الجيشين الفرنسي والإنكليزي بكاملهما، وكان لا بد من التوقف و انتظار ظروف أفضل، مع تحصين المواقع والإعداد للهجوم التالي. وفي بداية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفع دمياط على بعد ميلين من مصب نهر النيل، وتحميها من الخلف بحيرة المنزلة، وكان
الأيوبيون قد حضنوا دمياط، وأقاموا سلسلة عبر النيل لإعاقة الملاحة فيه، وكانت هذه السلسلة تمتد من الشاطئ الشرقي حتى البرج القائم على جزيرة قريبة من الشاطئ الغربي على مسافة قصيرة أسفل المدينة، كما أقام الأيوبيون من خلف السلسلة جسرة من السفن. وكانت دمياط قد تعرضت قبل هذا الهجوم إلى هجوم في عام (1199 م) ، كما سبق هذا الهجوم أيضا هجوم آخر في نهاية حزيران - يونيو (1218 م) ، وحشد «العادل» جيش سوريا لمجابهة هذا الهجوم، كما وجه الكامل من القاهرة معظم جيشه، إلا أن قلة عدد السفن أعاقت الهجوم على المواقع التي احتلها الفرنج، وأفاد الفرنج من ذلك للتوقف وتنظيم هجوم بري - بحري استخدم فيه برج على سفينتين أحكم ربطهما معا بالحبال، وجرت تغطية هذا البرج بالجلود وتزود بالسلالم مما ساعد على نجاح الهجوم التالي ضد أبراج دمياط.