فهرس الكتاب

الصفحة 468 من 654

وبرز هذه النماذج، وهي قليل من كثير، استخدام استراتيجية الهجوم غير المباشر لإقناع الصليبيين، قادتهم ومقاتليهم، بعدم جدوى مقاومتهم، وأنه من المحال الوصول إلى أهدافهم، وقد انتقلت هذه القناعة إلى العرب، بحيث لم يعد هناك بين الملوك والأمراء من يعتقد بضرورة استمرار المشروع الصليبي، فتخلى الجميع عنه، ولعل الظاهرة المميزة هي البدء بتكوين هذه القناعات على مسرح الأعمال القتالية، فحروب الاستنزاف والتدمير المستمر لقوات الصليبين قد حول الإمارات القائمة إلى عبء ثقيل أرهق إمارات الغرب وممالكها.

وهكذا لم تكن أعمال التطويق والالتفاف العميق وضرب المؤخرات على مستوى العمليات سوى الوسيلة لإقناع قادة العمليات بفشلهم، ثم تطوير هذا المفهوم على مستوى السياسة الاستراتيجية، وإقناع أصحاب المشروع الصليبي ذاته بفشل مشروعهم، وقد جاء فشل المغول - التتار - في عين جالوت) برهانا حاسمة على فشل كل الوسائل المتاحة للقضاء على المسلمين، ما ساعد قادة المسلمين على تطوير صراعهم العسكري والسياسي، وكان النصر في المعركة، باستمرار، هو الوسيلة الوحيدة لبناء القناعات كلها. وقد لا تكون هناك حاجة للبرهان على أن هذه الاستراتيجية لا زالت تحتفظ بكل خصائصها ومميزاتها في كل الحروب التقليدية.

لقد انطلقت الحروب المضادة للحروب الصليبية من قاعدة قوية ومأمونة، وهي قاعدة «الوحدة السياسية للمسلمين ووحدة العمل، أو وحدة القيادة على مستوى العمليات، ولقد تعرضت هذه الوحدة للتمزق في بعض الأحيان، وجابهت مآزق صعبة في أحيان أخرى، وبقي الاتفاق أقوى من الخلاف، فخرج جيش مصر باستمرار لخوض معاركه فوق أرض الشام، في عين جالوت، كما في حطين من قبل، وكما في تحرير أرمينيا وأنطاكية من بعد. وخرج جيش الشام في مرات كثيرة لخوض الصراع فوق أرض النيل، كما حدث عندما قام الفرنج بالهجوم على مصر واحتلوا دمياط. وكان «ريتشارد قلب الأسد هو الذي أدرك قوة هذه القاعدة، ولعله أول من عرف ذلك، فنصح بتوجيه الحملات ضد مصر التي لم تنجح الإمارات الصليبية في عزلها عن الشام، وذلك لضرب أحد طرفي القاعدة، فتضعف القاعدة بكاملها. ولم تنجح كل المحاولات لإضعاف الروابط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت