حروب مستمرة على امتداد قرنين من عمر الزمن، وحملات من الغرب والشرق تحمل مختلف الرايات، وكلها تسير على فرعات طبول واحدة. وخاض المسلمون حروبة مريرة فوق أرضهم وفي قلب بلادهم، لم يحاولوا في يوم من الأيام التخلي عن أسلحتهم أو الاستسلام لما يريده أعداؤهم منهم، وهذا في
حده هو النموذج الأعلى للاستعداد الدائم للقتال». وكانت تمر على جماهير العرب المسلمين في الشام ومصر فترات تتطلب منهم نوعا من المهادنة، ولكن الهدنة أو الاتفاق بقيت محدودة أبدا بزمن معين، كان المسلمون أثناءها يلتقطون أنفاسهم في غمرة الحرب طويلة الأمد، وليعاودوا استئناف الاحتكام إلى السلاح وهم أكثر قدرة بإمكاناتهم وأكثر ثقة بأنفسهم وأكثر استعدادا لمتابعة جهادهم، وهذا هو التعبير الصحيح أيضا عن الاستعداد الدائم للحرب». أما تطبيق مبدأ الاستعداد الدائم للحرب» على مستوى العمليات، فيتجلى بإحباط كل محاولات قادة الفرنج لمباغتة المسلمين، ومن من مرة جرب الفرنج الوصول إلى دمشق بصورة مباغتة أو مهاجمة القاهرة بصورة مفاجئة، فكان المجاهدون في سبيل الله أبدأ خلف أسلحتهم، لا يسمحون للعدو الغدر بهم أو النيل منهم.
ويظهر الاستعداد الدائم للقتال أيضا في تلبية جيوش المجاهدين في سبيل الله الأول نداء للحرب، فما إن كانت تطلب القاهرة نجدة جيش دمشق حتى كان هذا الجيش يسرع للوصول إلى هدفه في الوقت المناسب، وما من مرة طلب إلى جيش مصر التوجه إلى بلاد الشام حتى كان هذا الجيش في ذروة استعداده للقتال.
وكان المجاهدون في سبيل الله بخوضون المعارك في إطار اوحدة مسرح العمليات»، وفي إطار «الهدف الواحد للحرب» ، ولهذا فإن الاستعداد الدائم للقتال لم يكن محددة في إطار دفع العدوان ضمن منطقة محددة، وإنما كان استعدادا لمجابهة العدوان فوق كل أرض من ديار المسلمين.