فهرس الكتاب

الصفحة 514 من 654

قد تحبط الهزائم الروح المعنوية بقدر ما ترفعها وتعزها الانتصارات، وكانت الحروب الصليبية تناوبة بين الهزائم والانتصارات. وبالرغم من ذلك، فالشواهد التاريخية المتوافرة تبرهن على توافر الروح المعنوية العالية لدى المسلمين حتى وهم يعانون قسوة الاحتلال ووحشية العدوان، ويعود السبب في ذلك إلى جذوة الإيمان المتقدمة في قلب المؤمنين والتي تضيء لهم الظلمة الخارجية المحيطة بهم، وتبعث لديهم الأمل بحتمية النصر بالرغم من كل قسوة الظروف المحيطة. ولقد كان المجاهدون في سبيل الله يطلبون دائما إحدى الحسنين (الشهادة أو النصر) ، فكان الخلف على نحو ما كان عليه السلف من الذين أقاموا القواعد الصلبة للمسلمين في بلاد الشام ومصر، وفي كل موقع من العالم الإسلامي. أولئك أقاموا قواعد المسلمين، وهؤلاء حافظوا عليها، وجميعهم استمدوا من إيمانهم العميق ما يضمن لهم النصر على كل التحديات الخارجية، وهذا هو الاختلاف الأساسي بين المسلمين وبين أعدائهم الذين كانوا شديدي التأثر بالنصر بقدر شدة تأثرهم بالهزيمة، وهذا ما يفسر الجهود الكبيرة التي بذلت لقهر المسلمين عسكرية، ثم انهيار البناء العسكري الذي أقامه الفرنج بضربة واحدة، ولقد جاءت هذه الضربة في «چين» ضد الفرنج، ثم جاءت الضربة التالية ضد المغول حلفاء الفرنج، وجاءت الضربة القاضية بعد ذلك؛ ثلاث ضربات فقط وانهار البناء، وكانت الروح المعنوية العالية للمسلمين هي أساس كل هذه التحولات.

ستة أجيال تعاقبت والحروب الصليبية مستمرة، ولم تفقد هذه الأجيال أصالتها، ولم تشعر بالملل من الحرب أو تظهر التعب من خوضها. ولم يكن على هذه الأجيال المتعاقبة خوض الصراع واحتمال كره القتال فقط، وإنما كان عليها القيام بالمسيرات الشاقة الطويلة عبر سيناء ذهابا وإيابا، في حر الصيف وقر الشتاء، في الليل كما في النهار، وتجاوز ذلك للسير من أقصى بلاد الشام في الجنوب حتى أقصاها في الشمال، والتوغل عبر أقاليم ما وراء الدروب إلى بلاد القفقاز والأرمن، والقيام بأعمال الحصار وخوض المعارك ضد قوات شديدة البأس متوافرة القوة تحميها تحصينات قوية وأسوار منيعة. ويشكل التناوب في الأعمال القتالية بين الحروب الدفاعية والحروب الهجومية في حد ذاته نوع من الصعوبات التي تنوء بها القوات المقاتلة، كما يشكل التناوب بين الأعمال القتالية في السهول والأعمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت