الحصار عن حلب، وأسرع نحو الجنوب، وعند ذلك رفع ريموند» الحصار وانسحب، وظل صلاح الدين منصرف في الشهر التالي إلى منازلة قلعة حمص، ولم يحل شهر نيسان - إبريل سنة (1175 م) حتى أضحي صلاح الدين يبسط سلطانه على كل سوريا حتى حماة شمالا، على أن حلب ما زالت مستقلة.
وأعرب المشتكين» عن امتنانه للفرنج، فأطلق سراح رينالد شاتيون (الذي سيكون عاملا أساسية في معركة حطين) ومعه جوسلين کورتينا وسائر الأسرى المسيحيين. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الانتصارات التي أحرزها صلاح الدين أثارت غضب أمير الموصل سيف الدين غازي» ابن شقيق نور الدين، فوجه إلى سوريا أخاه عز الدين على رأس جيش كثيف لينحاز إلى كمشتكين بحلب.
وعرض صلاح الدين على كمشتكين أن يتنازل له عن حماة وحمص، غير أن عرضه لم يلق القبول. على أن صلاح الدين أوقع بالجيش المتحالف في خانق عميق ضيق بين التلال الواقعة إلى الشمال من حماة، ومع ذلك لم يرغب صلاح الدين في تطوير الصراع واستثمار هذا النصر، فعقد هدنة قضت بأن يحوز بعض المناطق شمالي حماة.
وتخلي صلاح الدين عندئذ عن تبعيته للملك الصالح إسماعيل، بعد أن بذل قصارى جهده ليخلص في خدمته، ولم يسع صلاح الدين إلا أن يتخذ لقب ملك مصر والشام، وأن يسك النقود باسمه وحده. وأقر الخليفة في بغداد عن طيب خاطر ما حدث وبعث إليه الخلع الخليفية التي بلغته وهو بحماة في شهر آبار - مايو (1175 م) .
لم تستمر الهدنة بين صلاح الدين والزنكيين طويلا. فما أن تم الصلح بين الأخوين الزنكيين، سيف الدين وعماد الدين (حاکم سنجار) ، حتى عاد سيف الدين إلى الموصل وحشد قوة كبيرة من الفرسان تزيد على ستة آلاف فارس، وجرى الاتصال مع أمراء قلعني احصن کيفا وحصن ماردين، لحشد قواتهما، وسار سيف الدين إلى انصيبين فاقام بها وأطال المقام حتى انقضى الشتاء، افضجر الجند ونفدت نفقاتهم وصار العود إلى بيوتهم مع الهزيمة أحب إليهم من الظفر، لما يتوقعونه إن ظفروا من طول المقام بالشام بعد هذه المدة،