وقد أظهرت مسيرة الأحداث أن حملة المغول لم تكن بمعزل عن التنسيق مع البابا ومع قادة الغرب من جهة، ومع مراكز القوى الصليبية في الشام
ويظهر ذلك أهمية الحرب التشتيتية التي طبقها «المظفر قطز» باتفاقه مع حامية مدينة عكا، وعزلها عن التعاون مع المغول. وجاءت الحملات التأديبية بالقضاء على أرمينيا وإزالة مملكة أنطاكية في إطار الحرب التشتينية لمنع كل تعاون في المستقبل بين مراكز القوى المضادة للعالم الإسلامي. وقد أخذت الحرب التشتينية على مسرح العمليات أيضا شكلا معروفة للمسلمين، وهو الهجوم على عدد من مواقع الفرنج في وقت واحد، أو التحرك بسرعة من موقع إلى موقع آخر، ما كان يعيق كل تعاون بين قوى الفرنج. فإذا ما نجح الفرنج في تجميع قواتهم، فإن قوات المسلمين غالبا ما كانت تتوجه إلى المملكة والإمارة التي تزعمت التجمع أثناء غياب حاميتها. وهكذا، فبينما كانت قوات التجمع تسير نحو موقع من مواقع المسلمين تكون قوات المسلمين قد وجهت تهديدا لأكثر العقد أهمية وأخطرها ما كان يمزق التحالف، ويصرف قوات الفرنج للانشغال بنفسها.
ويمكن في إطار الحرب التشتيتية الإشارة إلى جهد «بيبرس» للتحالف مع الخان «بركة» ، زعيم القبائل الذهبية المسلمة، من أجل مجابهة المغول، الذين
كان يتزعمهم «أبانا» (في سنة 1266 م) . وأفاد بيبرس» من ذلك، فقاد جيشه اللهجوم على عكا وإمارات الفرنج وقلاعهم في جنوب الشام مع توجيه جيش آخر بقيادة اقلاوون» نحو الشمال للتعاون مع جيش حمص، الذي كان يقوده «المنصور» ، وذلك للإغارة على إمارات الفرنج في شمال الشام والهجوم على قلبقية وتدمير المملكة الأرمنية.
لم تكن هناك استراتيجية ثابتة وصلبة تخضع لها كل عمليات الحروب الصليبية، وإنما هناك قدر كبير من المرونة التي تستجيب لمختلف المواقف. وإذا كان بالمستطاع تمييز المرحلة السابقة لمعركة حطين بأعمال الردع والردع المضاد، فإن بالإمكان تمييز الأعمال القتالية في معركة عين جالوت وما سبقها وما تبعها بالهجمات الوقائية. (ولم تكن عين جالوت ذاتها سوى هجومة وقائية هدفه إبعاد خطر المغول عن مصر وعدم السماح لهم بالاقتراب منها) . وفي هذا