الفرنسيون والفلمنكيون، فتسلطت عليهم الشهوة للتدمير، فاندفعوا کالرعاع المسعورة، يجوبون الشوارع ويغشون الدور، ينتزعون كل ما يتلألأ ويلمع ويدمرون كل ما لم يستطيعوا حمله، ولم يتريثوا إلا لكي يقتلوا أو ينهبوا أو يفتحموا مستودعات النبيذ لينتشوا منها، ولم يفلت من التخريب الأديرة والكنائس والمكتبات (1) ، وتقرر تقسيم المدينة على الطوائف المشتركة بالحملة، ولم تصل القوات إلى بلاد المسلمين.
لقد كان من المتوقع في المناخ الذي صنعته الكنيسة أن تصبح الدعوة للحرب الصليبية هي سمة العصر وزيه - مودة .. وفي سنة (1212 م) ظهر صبي راع في فرنسا، لا يتجاوز الثانية عشرة من عمره، واسمه استيفن»، وتولى الدعوة للحرب الصليبية، وأخذ في التجول عبر الأقاليم، وأمكن له حشد أكثر من ثلاثين ألف طفل، سار بهم إلى مارسيليا حتى ينشق البحر ويستمرون في طريقهم إلى فلسطين، ولكن البحر لم ينشق، كما حدث مع موسي، فتقدم تاجران من تجار مارسيليا، اسم أحدهما اهيو الطلب) واسم الآخر «وليم الخنزير» ، وأخذا على عاتقهما نقل الأطفال إلى فلسطين، ولم يعد بعد ذلك هناك من يعرف ما انتهى إليه مصير الأطفال، ولكن بعض الشواهد تشير إلى أن التاجرين قد عملا على بيع الأطفال في مصر والجزائر.
وفي ألمانيا ظهر طفل آخر اسمه «نقولا، وتولى الدعوة، وحشد الأطفال وتوجه بهم إلى إيطاليا، حيث تم توزيعهم على جمهورية البندقية والمدن الإيطالية الأخرى، وعاد من استطاع منهم إلى بلاده، ولكن أحدا لم يصل إلى فلسطين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وصف مؤرخ لاتيني: 763 - 757
ما تعرضت له القسطنطينية، فذكر ما يلي: احدث في كنيسة القديسة الصوفية ذاتها أن جرت مشاهدة العساكر السكاري بمزقون الستائر الحريرية ويحطمون الأواني الفضية الكبيرة، ويدوسون بأقدامهم الكتب المقدسة والأيقونات. وبينما كانوا يتناولون الشراب في أواني المذبح مبتهجين تربعت عاهرة على كرسي البطريرك، وأخذت تردد أغنية فرنسية بذيئة. وتعرضت الراهبات للاغتصاب في أديرتهن، ولم تجر التفرقة بين القصور والأكواخ فيما تعرضت له من الهجوم والتدمير. وأخذ الجرحى من النساء والأطفال يلفظون أنفاسهم في الشوارع. وظلت مناظر النهب وسفك الدماء المريعة مستمرة ثلاثة أيام، حتى أضحت المدينة الضخمة شبيهة بسوق اللحوم. إن المسلمين لأكثر منهم رحمة (تاريخ الحروب الصليبية، 3/ 223)