المفعول، وبفضل هذه الهدنة أستقرت الأوضاع وعادت الثقة لأهل عكا، وأخذت التجارة في تلك الفترة طريقها للازدهار، وأخذ تجار دمشق في إرسال قوافلهم إلى الساحل، وتوافر المحصول في تلك السنة في الجليل، وحمل الفلاحون المسلمون منتجاتهم إلى عكا التي ازدحمت بالمتنافسين على الأسواق، وشهدت المدينة نشاطا لم تعرفه في أي وقت مضى بمثل ما عرفته في تلك السنة.
ولكن لم يلبث الصليبيون الإيطاليون أن وصلوا إلى عكا في شهر آب - أغسطس من صيف سنة (1290 م) ، فأثاروا الارتباك للسلطات منذ أن وطأت أقدامهم أرض الساحل بسبب ما اشتهروا به من الفسق والفجور والسكر والإخلال بالأمن، ولم يكن لقائدهم عليهم سيطرة أو سلطان، لا سيما بعد أن عجز عن دفع رواتبهم؛ وإذ اعتقدوا أنهم جاؤوا لقتال الكفار - المسلمين - فإنهم انطلقوا لمهاجمة التجار والفلاحين المسلمين.
وحدث ذات يوم أن اندلعت الفتنة، في نهاية شهر آب - أغسطس. وبدأت هذه الفتنة عندما أشيع أن مسلمة اغتصب سيدة مسيحية، واستغاث زوجها بالجيران للانتقام له، وأسرع الفرنج (الصليبيون) يجوبون شوارع المدينة، ثم خرجوا إلى الضواحي، وأخذوا يذبحون كل من صادفهم من المسلمين؛ وإذ اعتقدوا أن كل ذي لحية مسلم، هلك أيضا عدد من الوطنيين المسيحيين.
واستبد الرعب بأمراء المدينة وفرسان الطوائف الدينية العسكرية، على أن كل ما استطاعوا عمله هو إنقاذ عدد قليل من المسلمين الذين نقلوهم إلى القلعة، حيث يتوافر لهم الأمن، بالإضافة إلى إلقاء القبض على عدد من المحرضين المعروفين، لكن أنباء المذبحة انتشرت، فأثارت المسلمين ووصلت إلى أسماع السلطان قلاوون فأثارت غضبه، وقرر أن الوقت قد حان لتحرير بقية بلاد المسلمين من قبضة الصليبيين.
وشعر قادة عكا بما يتهددهم، فأسرعوا بأرسال سفارة لهم إلى القاهرة بهدف تقديم الاعتذار إلى السلطان قلاوون، فما كان من السلطان قلاوون إلا أن أرسل سفارة إلى عكا بمهمة تقديم طلب يقضي بتسليم المجرمين الذين اشتركوا في المذبحة، وأثاروا الفتنة، فدعا أمير عكا «أملريك» مجلس حكم الإمارة. وفي هذا المجلس نهض مقدم الداوية، فطالب بتسليم كل المذنبين المسيحيين المعتقلين وقتئذ في سجون عكا لممثلي السلطان باعتبار أنهم هم المجرمون