وأفاد المسلمون في حلب من هذا الموقف، فقام رضوان، أمير حلب، بهجوم على الجهات الشرقية من إمارته، وتنازل الأرمن في «أرتاحه عن مدينتهم للمسلمين، واغتبطوا للإفلات من طغيان أنطاكية، وسار على هذا النحو مدن المعرة ومصرين وسرمين، الواقعة على الحدود، فلما أحست حاميات الفرنج قليلة العدد، المرابطة في معرة النعمان والبارة وكفرطاب، بأنها أضحت معزولة، لم يسعها إلا الانسحاب إلى أنطاكية.
وفي تلك الأثناء، أمعن أمير حلب في الإغارة على إمارة أنطاكية ونهبها حتى بلغ جسر الحديد، ولم يبق على حامية المدينة إلا أعداد قليلة، حتى باتت إمارة أنطاكية بأكملها مهددة بالسقوط، لو لم تظهر أحداث داخلية دفعت أمير حلب إلى تحويل اهتمامته في اتجاه دمشق التي مات أميرها في تلك الفترة الأمير دقاق»، وظهر النزاع على الإمارة بين بوري بن دقاق وعمه أرتاش، من أمراء السلاجقة.
ب - الوضع الخاص
تسعون عاما مضت ما بين سقوط القدس في قبضة فلسطين وتحريرها على أيدي صلاح الدين الأيوبي، وهي الفترة ما بين (1097 و 1187 م) . وكانت أرض العرب المسلمين طوال هذه الفترة تضطرم نارة، وتتأرجح بين صلح وحرب، وبين هدنة وقتال. وخلال هذه الحرب طويلة الأمد، كان المسلمون يعالجون نقاط ضعفهم، ويعيدون ما تم استنزافه من قدرتهم
وقد يكون من الضروري هنا إلقاء لمحة عاجلة على مسيرة الأحداث التي تفاعلت من خلال الجهاد المستمر، فأبرزت دور مراكز القوى المختلفة التي حاولت فرض وجودها على الأحداث، فكانت تلك الأحداث أقوى منها إلى أن جاء النصر الكبير بتحرير القدس بعد معركة حطين الخالدة. وهذا لا يعني بداهة أن فترة الجهاد الطويلة في الطريق إلى النصر كانت خالية من الانتصارات، وإنما كانت تأرجح بين النصر والهزيمة، بين النجاح والفشل، وكان كل فشل يزيد من تصميم المسلمين على النصر، كما كان كل نصر يزيد من الثقة بحتمية النجاح ويقارب من النصر، ودفع المسلمون في الحالين (حال النصر والهزيمة) سيولا من دمائهم وجموعة من ضحاياهم، فكان الدم الطهور هو الذي غسل ما ارتكب على الأرض العربية المؤمنة من جرائم وآثام.
ومهما كان عليه الأمر، فإن بالمستطاع تكوين فكرة عن مجموعة تفاعل