أساسا يستطيعون من خلاله التعاون بين المسلمين والمسيحيين، كانت ذکري هذه المذبحة تعترض الوصول إلى الاتفاق (1) .
تابع الفرنج بعد ذلك حروبهم التوسعية، وعندما انتهت قوة الحملة الأولى، تم تقسيم البلاد إلى إمارات ودوقيات؛ فكانت مملكة بيت المقدس تمتد من حمص إلى شمال لبنان، وكانت تتبعها إمارة طرابلس وإمارة الكرك. أما في الشمال فكانت هناك إمارة الرها (أرمينية) وإمارة أنطاكية، الخاضعة اسمية للامبراطورية البيزنطية، بالإضافة إلى إمارات مستقلة، مثل بيت قيسارية وصيدا، وإمارة تبنين وإمارة نابلس والرملة وإيلين وبيروت
لم يتوقف الصراع بين المسلمين والفرنج، رغم قيام الإمارات الصليبية واستقرارها، فكان الصليبيون يحاولون باستمرار توسيع إماراتهم، مما كان يدفعهم للاصطدام بإمارات دمشق وحمص وحلب. ورغم التمزق الذي كان يباعد بين أمراء السلاجقة، إلا أنهم كثيرا ما كانوا يتعاونون لمجابهة هجمات الجيوش الصليبية، وفي الوقت ذاته كان أمراء السلاجقة ينظمون الهجمات ضد الإمارات الصليبية في محاولات لإضعاف هذه الإمارات وإرغامها على الانسحاب، ومثال ذلك ما حدث في سنة (497 ه/ 1104 م) ، عندما تجاوز سقمان ماردين وجكر مش في الموصل خلافاتهما واتحدا لتوجيه حملة ضد الرها (2) .
وكان سقمان على رأس جيش كثيف من فرسان التركمان، بينما قاد جکر مش جيشا لا يقل كثيرة في العدد عن جيش سقمان، وتألف من الترك السلاجقة والأكراد والعرب. واصطدم هذا الجيش بجيش الفرنج أمام حران، على شاطئ نهر البليخ، حيث نجح المسلمون في تدمير جيش الرها، فلم ينج من الأسر والقتل إلا عدد ضئيل.
وكان من نتيجة هذه المعركة زوال أسطورة أن الفرنج لا يقهرون»، كما ظهر أنه من المحال على الفرنج الاستيلاء على حلب، وظهر أيضا أن الإسفين الذي حرص الفرنج على الإبقاء عليه بين القوى الإسلامية الثلاثة: آسيا الصغرى والعراق والشام، لم يكن ده مگم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الحروب الصليبية، ستيفن رتسيمان 1/ 404. 406.
(2) اخبار هذه المعركة التي اتحد فيها معين الدولة سقمان وشمس الدولة جكر مش في ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الكتاب العربي 8/ 321، 322.