حيث سقطت المدينة بيد الفرنج بعد صراع مرير (1) .
وعندما دخل الفرنج القدس ولى المسلمون نحو الحرم الشريف (ساحة الجامع) حيث المسجد الأقصى وقبة الصخرة، إلا أن جند الفرنج انقضوا عليهم وأخذوا يعيثون فسادا في قبة الصخرة ويدمرون وينهبون ويذبحون، ولم ينج من المسلمين بحياتهم إلا القليل. فقد زاد جنون الفرنج بانتصارهم الكبير، وانطلقوا في شوارع المدينة وإلى الدور والمساجد، يقتلون كل من يصادفهم من الرجال والنساء والأطفال من دون تمييز، واستمرت المذبحة طوال مساء ذلك اليوم وطوال الليل.
وفي الصباح الباكر من اليوم التالي، اقتحم باب المسجد ثلة من الصليبيين، فأجهزت على جميع اللاجئين إليه، وحينما توجه قائد القوة «ريموند أجيل» في الضحى لزيارة ساحة المعبد، أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبتيه.
وتركت مذبحة بيت المقدس أثرا عميقا في جميع العالم، وليس معروفة بالضبط عدد ضحاياها، غير أنها أدت إلى خلو المدينة من سكانها المسلمين واليهود، بل إن كثيرا من المسيحيين اشتد جزعهم لما حدث. أما المسلمون الذين كانوا حتى وقتذاك مستعدين لأن يقبلوا الفرنج على أنهم عامل جديد في المنطقة، فإنهم و دوا العزم على ضرورة طرد الفرنج، فلم يثر التعصب الإسلامي من جديد إلا التعصب المسيحي الذي دل عليه ما لجأ إليه الصليبيون من سفك الدماء، فلما حدث فيما بعد أن سعي بعض عقلاء اللاتين لأن يجدوا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وصف ابن الأثير 8/ 189، 190 (أحداث سنة 492 ه) دخول الصليبيين القدس: املك الفرنج
القدس ضحوة نهار يوم الجمعة السبع بقين من شعبان, وركب الناس السيف. ولبث الفرنج في البلدة أسبوعين يقتلون فيه المسلمين، واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داود، فاعتصموا به وقاتلوا فيه ثلاثة أيام ... وقتل الفرنج بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبادهم وزهادهم ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف، وأخذوا من عند الصخرة نيفا وأربعين قنديلا من الفضة وزن كل قنديل ثلاثة آلاف وستمائة درهم، واستثار ذلك المسلمين الذين انطلقوا إلى وصف ما حدث، ومن ذلك ما قاله أبو المظفر الأبيوردي في إثارة حماسية المسلمين مزجنا دماء بالدموع السواجم فلم يبق مناعرصة للمراحم وشر صلاح المرء دمع يفيضه إذا الحرب شبت نارها بالصوارم فإنها بني الإسلام إن وراء گم وقائع بلحقن الذري بالمناسم