وفي تلك الأثناء سار إلى طرابلس مقدمو الطوائف الدينية العسكرية الثلاثة، وبصحبتهم نائب البنادقة في عكا للدفاع عن حق وريثة الكونية الأميرة»، فأما مقدم الأسبتارية فحمله على ذلك ما كان هناك من صداقة تربط طائفته مع أسرتها القديمة، على حين أن مقدمي الداوية والتيوتون لم يقدما إلا لمساندة البندقية على جنوة؛ غير أنه تم إعلامهم أنه لا بد لالوسيا، من أن تعترف بالهيئة الحاكمة كحكومة شرعية للإمارة
ووصل «زکريا، فطلب عقد معاهدة تمنح الجنوبين شوارع عديدة أخرى في طرابلس، وتجعل لهم الحق في أن يكون لهم حاکم يتولى أمور جاليتهم، على أنه ما كان للهيئة الحاكمة من حريات وامتيازات. غير أن الشكوك أخذت تثور في نفوس أهل طرابلس حول ما إذا كانت جنوة ستهتم بمصلحتهم على نحو ما تهتم بمصالحها؛ لا سيما وأن «بارثولوميو إيميرياكو» اشتد شغفه ونهمه ليفوز بالإمارة لنفسه، بعد أن سبق له أن ظفر بالسيطرة على جبيل، وذلك بعد أن زوج ابنته أجنيس لابن عمه الصغير بطرس بن جاي الثاني، ولهذا فقد أرسل رسالة إلى القاهرة ليعرف مدى دعم السلطان قلاوون له فيما إذا أعلن نفسه أميرة على طرابلس، وهكذا أثار طموحه الريبة، ودفع أهل طرابلس إلى مساندة قضية لوسيا.
وكتبت الهيئة الحاكمة إلى لوسيا في عكا تعرض الاعتراف بها إذا أقرت وصفه، غير أن لوسيا تصرفت بدهاء ومكر، وأعلمت زكريا الذي كان في إياس بعقد معاهدة تجارية مع ملك أرمينية، فهرع إلى عكا للقائها، فوافقت على أن تعترف بامتيازات كل من الهيئة الحاكمة وإمارة جنوة، ووفقا لهذه الشروط تقرر الاعتراف بها كونتيسة على طرابلس.
ولم يرض البنادقة بهذا الاتفاق، وكذلك الأمر بالنسبة لبارثولوميو إمبرياكو»، الذي أرسل إلى السلطان قلاوون يلتمس منه التدخل، ويحذره من أن سيطرة جنوة على طرابلس ستساعدها على فرض سلطتها على كل شرقي البحر الأبيض المتوسط.
وشعر السلطان قلاوون بأن الظروف أصبحت مناسبة لتحرير طرابلس، فاستجاب بسرعة لطلب بارثولوميو، وأخذ من هذا الطلب حجة لنقض الهدنة التي كانت معقودة مع طرابلس، وتحرك بكل الجيش المصري إلى سوريا في شهر شباط - فبراير سنة (1289 م) ، بدون أن يكشف النقاب عن هدفه؛ غير أن أحد أمرائه وهو «بدر الدين بكتاش الفخري، أرسل إلى مقدم الداوية دوليم