فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 654

فاشتهروا بشدتهم وقسوتهم في التدمير، فهلك في أربعين يوما نحو ثمانين ألفا من سكان بغداد، ولم يبق على قيادة الحياة إلا فئة قليلة واتاها الحظ، فلم يكتشف المغول الملاجئ والحواصل التي اختبؤوا فيها، فضلا عن عدد قليل من الغلمان والفتيات ممن تم انتقاؤهم وأخذهم أرقاء، وكذا الجالية المسيحية التي لجأت إلى الكنائس، فلم يتعرض لها أحد بسوء وفقا لأوامر طقز خاتون».

وتفجر الحقد ضد المسلمين حتى شمل كل ما يتصل بهم، حتى مكتباتهم الزاخرة بالعلم والمعرفة أصبحت هدفا للتدمير، وألقي بها في النهر الذي أصبح ماؤه أسود لأيام كثيرة

ولما لم يبق في بغداد من يعمل على مواراة القتلى ودفنهم، فقد بدأت الجثث بالتعفن. وفي نهاية شهر آذار - مارس ظهر احتمال انتشار الأوبئة، وأصبح من الصعب احتمال مناخ الموت في المدينة المدمرة، فأمر لهولاكو» قواته بالانسحاب من بغداد. وحزن كثير منهم لمغادرة المدينة لاعتقادهم أنه لا زال بها من التحف القيمة ما يمكن العثور عليه، غير أنه صار بحوزة «هولاكو» كل ما تجمع في خزائن الخلفاء العباسيين من ثروات وكنوز طوال خمسة قرون.

وبعد أن أرسل هولاكو شطرة كبيرة من الغنائم إلى أخيه الخان الأكبر منكر، انسحب راجعة إلى همذان في تمهل، ومنها توجه إلى أذربيجان، حيث شيد قلعة منيعة في اشها» على شاطيء بحيرة «أرمية» ، وجعل منها مستودع لكل ما حازه من الذهب والمعادن النفيسة والجواهر، وجعل على بغداد والية هو الوزير السابق مؤيد الدين بن العلقمي، الذي خضع لإشراف دقيق من قبل الموظفين المغول. أما البطريرك النسطوري ماكيكا» فغمره هولاكو بالهدايا، وجعل له أحد قصور الخليفة مقرة وكنيسة. وأخذت المدينة بغداد تستعيد رويدا رويدة نظافتها، وتعود إلى سابق عهدها من النظام والترتيب، على أنها لم تعد بعد أربعين سنة، سوى مدينة إقليمية لا تتجاوز عشر حجمها السابق.

كان لذيوع أنباء تدمير بغداد أثر عميق في جميع أنحاء آسيا، وابتهج المسيحيون في كل مكان؛ إذ كتبوا في نشوة النصر عن سقوط «بابل» الثانية، وهللوا ل «هولاكو، واطقز خاتون» ، واعتبروهما قسطنطين وهيلينا، وأنهما ليسا إلا أدوات الله للانتقام من أعداء المسيح. أما المسلمون فاعتبروا تخريب بغداد صدمة مريعة وتحدية مخيفة. فعلى الرغم من أن الخلافة العباسية ظلت منذ زمن طويل تفقد قدرة كبيرة من سلطتها المادية، إلا أن مكانتها المعنوية لا زالت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت