«بيجو» بالتراجع، وبذا جر قوات المسلمين إلى منطقة منخفضة تغمرها المستنقعات، وأرسل المهندسين ليقطعوا ما يقع خلفهم على نهر الفرات من السدود. وتجدد القتال في اليوم التالي، وارتد جيش أيبك» إلى الحقول المغمورة بالمياه، وانسحب أيبك، وحرسه بطريق النهر إلى بغداد. أما معظم جيشه، فقد أبيد في ميدان المعركة، وتمزق من بقي منهم على قيد الحياة، وفروا إلى البادية.
ولم يلبث هولاكو أن ظهر أمام الأسوار الشرقية لمدينة بغداد يوم (18) کانون الثاني - يناير سنة (1208 م/ 656 ه) . وفي (22) كانون الثاني - يناير تعرضت المدينة للهجوم من كل الجهات بعد إقامة جسور من القوارب على نهر دجلة، بأعلى المدينة وأسفلها. والمعروف أن بغداد تقع على ضفتي نهر دجلة، على أن المدينة الغربية التي شملت قصر الخلفاء الأوائل، أضحت أقل أهمية من المدينة الشرقية التي تركزت بها مباني الحكومة. وركز المغول أشد هجماتهم على الأسوار الشرقية، وأخذ «المستعصم» يفقد الأمل. وفي نهاية شهر كانون الثاني - يناير بعث بوزيره الذي يدافع عن سياسة المصالحة مع المغول ومهادنتهم - الوزير الشيعي مؤيد الدين بن العلقمي - وأرسل معه البطريرك النسطوري الذي كان الخليفة يأمل في أن يتوسط عند «طقز خاتون» لمحاولة التفاوض مع هولاكو، غير أنه تقرر إعادة الرسولين بدون أن يقابلا هولاكو.
وأخذ السور الشرقي لبغداد بالانهيار بعد أن تعرض للقذف الشديد في الأسبوع الأول من شهر شباط - فبراير سنة (1208 م) . وفي (10) شباط - فبراير، وبينما كان جند المغول يتدفقون إلى داخل المدينة، ظهر الخليفة وسلم نفسه ل هولاکوه مع كبار قادة الجيش وكبار موظفي الدولة، وبعد أن صدرت إليهم الأوامر بإلقاء سلاحهم، تم الإجهاز عليهم ولم يجر الإبقاء إلا على حياة الخليفة حتى دخل هولاكو، المدينة والقصر في (15) شباط - فبراير سنة (1258 م) ، ولقي الخليفة مصرعه، بعد أن كشف ل هولاكو» عن الأماكن التي اختبأت فيها ثروته وكنوزه. وفي تلك الأثناء ظلت المذابح مستمرة في جميع أنحاء المدينة بغداد، وتعرض للقتل على السواء أولئك الذين بادروا إلى التسليم وأولئك الذين مضوا في القتال، وهلك النساء والأطفال مع رجالهم، وعثر أحد المغول في شارع جانبي على أربعين طفلا حديثي الولادة، وقد ماتت أمهاتهم فأجهز عليهم، أما عساكر الكرج، الذين كانوا أول من اقتحم الأسوار،