وأحاط المستعصم نفسه بظواهر العظمة التي اكتسبتها الخلافة عبر قرون طويلة، إلا أن الضعف الكامن بقي مختفية خلف ظواهر القوة هذه، نتيجة لما كان متوافرة من العداء بين وزيره الشيعي مؤيد الدين بن العلقمي، وكاتبه السني أيبك، الذي سانده ولي العهد.
اشتهرت بغداد بقوة تحصيناتها ومناعة استحکاماتها، وكان باستطاعة الخليفة المستعصم، حشد جيش ضخم يبلغ عدد فرسانه وحدهم مائة وعشرين ألف فارس، ولكن الوزير مؤيد الدين بن العلقمي قام بدور مشبوه في إثارة شكوك الخليفة بقواته، ونصحه بتخفيض قواته لتوفير المال الذي يمكن تقديمه لهولاكو
حتى لا يهاجم بغداد. وظهرت خيانة الوزير العلقمي عندما رد هولاكو على الخليفة طالبة منه الاعتراف بالسيادة على الخلافة ذاتها، ولم يلق اقتراح هولاكو إلا الرفض الشديد من الخليفة الذي طلب إلى كاتبه أيبك» الاستعداد للحرب.
وإذ ظهر أن الحرب باتت وشيكة الوقوع، جمع هولاكو قادته وتحدث إليهم في شيء من القلق والاضطراب، لا سيما وأن منجموه لم يتفقوا على أن النصر سيكون حليفة للحملة. ولما كان يخشى تخلي أتباعه من المسلمين عنه، علاوة
على احتمال تدخل أمراء دمشق ومصر، فقد بادر إلى اتخاذ التدابير القوية المراقبة تصرفات المسلمين في جيشه. وفي تلك الأثناء ازداد جيشه قوة بوصول فرقة من القبيلة الذهبية، وبقدوم الجيش الذي ظل «بيجو» يحتفظ به على أطراف الأناضول في السنوات العشر الأخيرة، فضلا عن فرقة من فرسان الكرج الذين كانوا في شوق لمهاجمة عاصمة المسلمين، وتوافر لهولاكو بذلك جيش لم يتمكن المغول من حشده من قبل.
تحرك الجيش المغولي من قاعدته في الهمذان» في نهاية سنة (1207 م/ 655 ه) ، وعبر القائد بيجو بجيشه نهر دجلة» عند «الموصل» ، وسار إزاء الشاطئ الغربي للنهر. أما كتبغا والجناح الأيسر للجيش، فدخل سهل العراق الواقع شرقي العاصمة مباشرة، بينما زحف هولاكو بقلب الجيش مخترقا «کرمان شاها.
ولم يكد الجيش الرئيسي للخليفة ينهض بقيادة «أيبك، ليلتقي ب اهولاكو) حتى سمع باقتراب جيش ابيجوه القادم من جهة الشمال الغربي، فعبر أيبك» نهر دجلة» من جديد. وفي (11) كانون الثاني - يناير سنة (1208 م/ 656 ه) باغت المغول قرب الأنبار، على مسافة نحو ثلاثين مية من بغداد، فتظاهر