الاختراقها، وقد كانت الدروس المستخلصة من هذه التجارب القتالية هي البرهان على قدرة العرب والمسلمين لممارسة أساليب حرب الحركة وتفوقهم في ذلك، والتأكيد على أن الأعمال الهجومية تبقى هي الأعمال التي تضمن الوصول إلى النصر الحاسم، فيما كانت الدروس المستخلصة من الحروب الدفاعية للفرنج هي التأكيد على أن قدرة الدفاع تبقى محدودة؛ ولكنها لا تستطيع تحقيق النصر الحاسم، وأن قدرة الدفاع تتراجع كلما تعاظمت القدرة الهجومية. فبعد معركة حطين وفتح بيت المقدس، تساقطت معظم قلاع بلاد الشام بسرعة مذهلة كمثل ما تتساقط الثمار اليانعة، وهو ما ظهر تأكيده أيضا بعد الانتصار الحاسم للمسلمين في عين جالوت، عندما تم سحق جيش التتار على يد المماليك ..
وقد يكون من الطبيعي في مثل هذا النوع من الحروب؛ أن يكون لحرب المعلومات (الجاسوسية والاستطلاع بالقوة) أهمية كبرى في إدارة الحرب.
ولقد كان حصول المسلمين في الشمال، على أسير من كبار أمراء وقادة الفرنج، وكذلك إرسال قوة من الفرسان إلى صفورية، لتدمير قوة من فرسان الفرنج، من طائفة الأسبتارية المتطرفة، قبل معركة حطين، وكذلك عزل جيوش التتار وقياداتها (القائد کتبغا) عن الاتصال بالمسلمين بعد مغادرة هذه الجيوش دمشق في طريقها إلى فلسطين، بحيث سارت قوات التتار مغمضة العينين إلى الكمين الذي نصبه لها قطز على الجبال المحيطة بعين جالوت، بحيث تحولت المعركة إلى مذبحة أبيد فيها معظم جند التتار، وكان ذلك لأول مرة، وكذلك نجاح الفرنج في مباغتة جيش نور الدين زنكي قريبة من حمص، إنما هي من بعض الشواهد الكثيرة التي أكدت أهمية المعلومات، واستخدامها الصحيح في المكان المناسب والوقت المناسب، للحصول على النصر الحاسم.
يظهر من خلال ذلك أن التحولات الكبرى في تطور الأعمال القتالية على مسارح العمليات، والانتقال من الدفاع الاستراتيجي إلى التوازن الاستراتيجي، ثم الانتقال من هذا التوازن إلى موقع التفوق الاستراتيجي؛ لم يكن إلا ثمرة جهود مضنية، وتضحيات كبيرة، وإبداعات فكرية وتنظيمية رائعة، وأعمال قتالية مريرة وقاسية شكلت بمجموعها ركامة ضخمة من الانتصارات التي جاءت المعارك الحاسمة (حطين وعين جالوت وسواها) لتربع على عرشها.
لقد كان ذلك يعني ببساطة أن الحملات الصليبية التي تتابعت وتلاحقت للدفاع عن المشروع الصليبي في بلاد الشام، طول مائتي سنة تقريبا، وذلك