التوازن الاستراتيجي) والتي تعرضت لانتكاسات كثيرة غير أنها لم تتراجع، حتى إذا ما تم تدمير المغول (التار) في عين جالوت، كان ذلك إيذانا بانتقال المسلمين إلى المرحلة الثالثة، وهي مرحلة التفوق الاستراتيجي الذي أنهى الوجود الصليبي على أرض الشام بجولة واحدة؛ وابتلعت أرض الشام كل رموز الحملات الصليبية. وجاء الحكم العثماني في أعقاب ذلك، فنقل الحرب إلى أوروبا، بلغاريا واليونان وبلاد الصرب وحصار فيينا (1090 ه/ 1983 م) ، وبذلك استطاعت بلاد الشام وبلاد المغرب معرفة الأمن والسلام والاستقرار رغم مشاركة كل الأقطار العربية والإسلامية في حروب الدولة العثمانية. >
وهكذا انتهت الحملات الصليبية القديمة، لكن الحرب بقيت مستمرة.
احتفظت القيادة الاستراتيجية، الممثلة بسلطة دار الخلافة في العهد العباسي، بقدرتها على تنظيم الحروب، وتوجيه الجيوش، وضمان الدعم للقوات، كمثل ما كانت عليه القيادة الاستراتيجية في عهدي الخلفاء الراشدين والعصر الأموي، غير أن تطور الأعمال القتالية على مسارح العمليات، والتبدل السريع في المواقف، نظرا لاتصال خطوط التماس وتقاربها؛ قد ضمن لقادة مسارح العلميات الزنكيين ثم الأيوبيين، ومن بعدهم المماليك، وكذلك قادة الأندلس، قدرة كبيرة من حرية العمل العسكري؛ وما يقترن بهذا العمل من الإدارة والسيطرة على البلاد في محيط مسارح العمليات، بلاد الشام والعراق وفلسطين والأردن، وكان الاحتياط الاستراتيجي في عمق البلاد، من خوارزم وخراسان وبلاد فارس وحتى أقصى المغرب، هو الذي يدعم ميادين القتال بالقدرة القتالية، كمثل ما كانت تقدمه شعوب الغرب (أوروبا) لجيوش الحملات الصليبية؛ وهذا مما سمح باستمرار الحروب طويلة الأمد. كذلك: تميزت الأعمال القتالية على مسارح العمليات؛ بظهور ونشكل نوعين متميزين من الصراع المسلح في إطار حوار الإرادات المتصارعة.
أولهما: الحروب الدفاعية والاعتماد على القلاع والتحصينات لحماية القوات؛ وللانطلاق منها لممارسة الأعمال الهجومية، وكانت هذه الاستراتيجية الدفاعية هي التي استخدمتها جيوش الفرنج.
وكانت ثانيهما: الحروب الهجومية، أو حروب الحركة، التي استخدمتها قوات المسلمين؛ والتي كانت تظهر في أعمال الحصار والعزل، واستخدام المجانيق ووسائط الاقتحام وأعمال التخريب لإسقاط الأسوار أو إحداث ثغرات