فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 654

لقد شكلت هذه الحروب المستمرة مدرسة حقيقية لتعلم الحرب والتطوير فن الحرب، أفادت منها كل الأطراف المتحاربة، وكان العرب والمسلمون هم الطرف الذي أفاد بدرجة أكبر من دروس هذه الحروب، وكان من أول هذه الدروس المحافظة على هدف الحرب والالتزام بفضائل الحروب المتوارثة، وذات الأصول والجذور الثابتة بالتعاليم والأوامر والنواهي الإسلامية، وكان ذلك عاملا حاسمة في تجنب الوقوع في مستنقعات الممارسات الصليبية المنحرفة؛ ومن ذلك تجنب إجراء المذابح؛ والامتناع عن ممارسة الأعمال الانتقامية ردا على المذابح التي كان يمارسها الفرنج بصورة مستمرة، وبذلك أمكن الارتفاع بالعنف حتى أقصى درجات ارتفاعه؛ في ميادين القتال، وإيقاف العنف، وأعمال القتال، فور بلوغ هدف الحرب، وهذا ما ظهر واضحا في حطين؛ وعند استعادة المسجد الأقصى؛ وكذلك عند فتح القسطنطينية؛ مما أذهل قادة جيوش الغرب، ومؤرخيهم وكتابهم، إذ قد يكون من الصعب على غير الإنسان المؤمن الحقيقي والمسلم الصادق الارتفاع بمشاعره، في وسط ضباب الحرب، إلى ما فوق الأحقاد والكراهية والمشاعر الوحشية - الغريزية - المنحطة.

كانت الحروب الصليبية في بلاد الشام؛ كمثل ما كانت عليه حروب المسلمين وأعدائهم على أرض الأندلس؛ بحيث يحرص الباحثون والمؤرخون على تصنيفها في قائمة الحروب طويلة الأمد، رغم كل اختلاف وتباين في أمد هذه الحروب وتباعد مسارح عملياتها. فقد بوغت المسلمون في بلاد الشام عندما تقدمت جحافهم من الشمال على امتداد السواحل للوصول إلى القدس، وكانت المباغتة الأكبر تلك الوحشية المتطرفة في إجراء المذابح بالمسلمين بعد الانتصار في كل معركة، كما حدث في أنطاكية وفي القدس بصورة خاصة، ونتيجة لذلك ظهر واضحة أن هذه الحرب طويلة الأمد لا بد لها من أن تتطور على مراحل:

كانت مرحلتها الأولى الالتزام بالدفاع، وهي أصعب المراحل، والتي اضطلع بقيادة تحولاتها نور الدين الزنكي (1146 - 1173 ه) ، فحرر الرها وطارد الفرنج في كل مكان بحيث أرغمهم على البقاء في حدود ما تم لهم احتلاله من قلاع ومدن الشريط الساحلي، ووحد بلاد الشام ومصر بإرسال حملة بقيادة أسد الدين شير کوه، وابن أخيه صلاح الدين بن أيوب، وعمل على إزالة الحكم الفاطمي من مصر، وعندما وقعت معركة حطين، كان ذلك برهانا على انتهاء المرحلة الأولى (مرحلة الدفع الاستراتيجي) والانتقال إلى المرحلة الثانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت