الموعد لبدء العمل للتحرك نحو إعلان الحرب الصليبية الشاملة، فتم عقد مجمع بيا کنزا، في شمال إيطاليا، سنة (489 ه/ 1095 م) ، والذي انتهى بإعلان الحرب الصليبية والتحضير لغزو بلاد المشرق، واحتلال مدينة القدس.
واستمر الصراع المرير على أرض بلاد الشام، وعلى أرض الأندلس، فكانت معركة الزلائة سنة (479 ه/ 1089 م) والتي انتصر فيها المعتمد بن عباد ويوسف بن تاشفين على جموع الفرنج في إسبانيا هي نقطة مضيئة في مسيرة الصراع، ثم كانت معركة حطين الخالده (583 ه 1187 م) وتحرير القدس، ثم جاءت معركة عين جالوت (659 ه) 1290 م) والتي تم فيها، ولأول مرة، تدمير جيش للمغول (التار) لتشكل بدورها حلقات في سلسلة الحروب المستمرة
كذلك، وكما بدأت الحملات الصليبية قبل وصول جيوش الفرنج إلى أنطاكية، ثم استيلائهم على بيت المقدس، لم تصل تلك الحملات نهايتها بطرد الفرنج من عکا؛ وكان من أكثر الشواهد أهمية على استقرار الحروب، نجاح الأتراك العثمانيين بالاستيلاء على عاصمة الروم (البيزنطيين) سنة (857 ه 1453 م) وإخراج بقايا المسلمين من الأندلس سنة (1018 ه/ 1909 م) وهم المعروفون لدى الغربيين باسم (الموريسك - أو المغاربة) . وإذن ليس من الغريب؛ ولا المباغت؛ قراءة الممارسات الغربية (الأوروبية مع العرب والمسلمين في ليل الاستعمار الأوروبي، على أنها استطالات للحملات الصليبية القديمة (وفي طليعتها زرع إسرائيل في قلب الوطن العربي، وكذلك أيضا قراءة الممارسات التي تشهدها بلاد القوقاز(الشيشان بخاصة) وأفغانستان و پاکستان والعراق وفلسطين والسودان تحت ما يعرف باسم (مكافحة الإرهاب) أو الحرب ضد الإرهاب)، حيث تبدو القواسم المشتركة بين الحملات القديمة والحروب الحديثة واضحة كل الوضوح، وأولها: استنزاف الوطن العربي والشعوب الإسلامية؛ وتمزيقها؛ وتهديد أمنها واستباحتها.
قد يكون من المحال؛ على ضوء ما تقدم، إحصاء أو حصر أو الإحاطة بمجموعة كبيرة جدا من القادة ذوي الكفاءات القتالية الرائعة في وسط كل الشعب العربي والشعوب الإسلامية؛ فحرب كهذه الحرب طويلة الأجل، والتي لا يحدها تاريخ ولا تحيط بها حدود جغرافية، وإن صلاح الدين الأيوبي، والمظفر قطز؛ والمعتمد وابن تاشفين والحاجب المنصور وسواهم؛ لا يشكلون أكثر من فصيل من فصائل الأرتال المتدفقة مع تيار التاريخ؛ على تراب كل الأوطان العربية والإسلامية.