نور الدين إلا أن أرسل إلى أسد الدين شيرکوه، الذي كان يقيم بحمص، يطلب إليه حضوره، لكن رسول نور الذين لم يجتمع بأسد الدين إلا قرب حلب. ولم يتردد نور الدين في هذه المرة بتقديم كل دعم ممكن، فأمد أسد الدين شير کوه بثمانية آلاف فارس، كما قدم له مائتي ألف دينار ليستخدمها مع جيش دمشق في فتح مصر، وأمر صلاح الدين بأن يسير في صحبة عمه (1) ، فسار هذا على كره منه.
وانطلق جيش دمشق فاجتاز صحراء سيناء بسرعة، وعندما اقترب من مصر، وجد شاور الفرصة مناسبة لإنذار حلفائه بأن بقاءهم في مصر سيمنح أسد الدين الفرصة للاستيلاء على مصر بالقوة، واعتقد شاور أن باستطاعته الانقضاض على جيش دمشق عند خروجه من الصحراء، غير أن أسد الدين شيرکوه تجاوزه بعد أن تسلل إلى الجنوب من موضعه، فلم يعد لدى الفرنج من سبيل آخر سوى الجلاء عن مصر. فشرع أملريك في الارتداد في 2 كانون الثاني - يناير (1169 م) بعد أن أمر أسطوله بالعودة إلى عكا، وباستدعاء الحامية المرابطة ببلبيس للحاق به
ووصلت أخبار انسحاب الفرنج إلى نور الدين في الشام، فأمر بضرب البشائر في البلاد، وبث رسله في الآفاق مبشرين بذلك، فإنه كان فتحة جديدة لمصر وحفظة لبلاد الشام وغيرها. أما في مصر فلم تمض ستة أيام حتى دخل شيرکوه إلى القاهرة، وبعد أن خلف جيشه الذي عسكر في باب اللوق (الخلعة العاضدية) ، توجه إلى بلاط الخليفة الفاطمي، حيث غمره العاضد بالمراسم والاحتفالات، ووعد ببذل الأموال والمؤن العساکره
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم يكن صلاح الدين راغبا في مرافقة عمه أسد الذين شيرکوه. وجاء في الكامل، ابن الأثير 9/
102، ما يلي: احكي لي بعض أصدقائنا ممن كان قريبة إلى صلاح الدين، خصيصا به، قال: كما وردت کتب العاضيد على نور الذين يستغيث به من الفرنج ويطلب إرسال العساکر، احضرني وأعلمني الحال، وقال: تمض إلى عمك أسد الذين يحمص مع رسول إليه ليحفر، وتحثه على الإسراع، فما يحتمل الأمر التأخير ففعلت وخرجتا، قلما كنا على ميل من حلب لقيناء قادمة. فأمره نور الدين بالمسير، فلما قال له نور الدين ذلك التفت عمي إلي فقال لي: تجهز يا يوسف، فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها. فلقد قاسيت بالإسكندرية وغيرها ما لا أنساه أبدا، فقال لنور الدين: لا بد من مسيره معي، فتأمر به. فأمرني نور الدين وأنا استقبل، وانقضى المجلس، وتجهز أسد الدين ولم يبق غير المسير. قال لي نور الدين: لا بد من مسيرك مع عمك، فشكوت إليه الضائقة ... فأعطاني ما تجهزت به فکانما أساق إلى الموت، فسرت معه وملكها. ثم توفي فملكتي الله تعالى ما لا كنت أطمع في بعضها