وحدث بعد بضعة أيام أن وصل إلى بحيرة المنزلة أسطول صغير للفرنج، كان معظم بحارته من الغرب، بعد أن أقلع مصعدة في فرع تنيس من فروع النيل، وانقض بصورة مباغتة على مدينة تنيس، وتلى ذلك ما حدث في بلبيس من الرعب والخوف، وكان القبط أكثر من تعرض للهجوم.
وتوقف أملريك في بلبيس بضعة أيام حتى يعيد تنظيم قواته، وضاعت عليه الفرصة بذلك للاستيلاء على القاهرة بهجوم مباغت. وعندما وصل أملريك، بوم 13 تشرين الثاني - نوفمبر، أمام أسوار الفسطاط (الضاحية القديمة التي تقع جنوبي القاهرة) كان شاور قد أصدر أوامره بإحراق مدينة مصر، وأمر أهلها بالانتقال منها إلى القاهرة، وأن ينهب البلد، فانتقلوا وبقوا على الطرق، وافتقر أهلها وذهبت أموالهم وثرواتهم وممتلكاتهم قبل نزول الفرنج عليهم بيوم واحد خوف أن يملكها الفرنج، فبقيت النار تحرقها أربعة وخمسين يوما.
وأدرك أمدريك أن الحملة قد أخطأت السبيل، بعد أن اعترض الأسطول في الدلتا الحواجز الملقاة في عرض النهر. ووجد أملريك أن موقفه يتزايد صعوبة، فأعلم شاور بأنه يقبل المساومة على مغادرة البلاد. وتلكا شاور بعض الوقت فأخذ يساوم على المبلغ الذي بوسعه أن يؤديه، فدفع مائة ألف دينار لافتداء ابنه طيء، وتحدث فيما يؤدي من الأموال بعد ذلك.
وفي تلك الأثناء تحرك جيش الفرنج بضعة أميال صوب الشمال، وعسكر في المطرية، قرب شجرة الجميزة التي استظلت بها العذراء عند فرارها إلى مصر. وظل عساكر الفرنج ثمانية أيام بهذه الجهة حتى وردت الأنباء فجاة بأن أسد الدين شير کوه قد اتخذ طريقه إلى مصر بناء على دعوة الخليفة الفاطمي.
كان الخليفة الفاطمي «العاضده قد أدرك خطورة الموقف الذي وصلته مصر بسبب سياسة وزيره شاور الخاطئة وتعاونه مع الصليبيين، فأرسل إلى نور الدين يستغيث به ويعرفه ضعف المسلمين عن دفع الفرنج، وأرسل في الكتب شعور النساء، وقال: هذه شعور نسائي من قصري يستغثن بك لتنقذهن من الفرنج» . كما أرسل أهل مصر إلى نور الدين يشرحون له ما وصل إليه الموقف في بلادهم، ويعرضون عليه تقديم ثلث بلاد مصر، وأن يكون أسد الدين مقيما عندهم في عسكره، وإقطاعهم من البلاد المصرية أيضا، خارجة عن الثلث الذي لهما
ولم يكن شاور راغبة في التعاون، مرة أخرى، مع نور الدين، غير أن ابنه الكامل تغلب عليه، فأرسل بدوره إلى نور الدين يطلب دعمه، فما كان من