فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 654

ثروة الامبراطورية الفاطمية، وهو ما كان يقصد إليه رجال البلاط الفاطمي.

ظل الجيشان شهرة يرقب أحدهما الآخر، ولم يستطع كل منهما أن يجتاز النهر قبالة الآخر، وأثناء ذلك أرسل أسد الدين شيرکوه جواسيسه لاستطلاع أحوال المصريين وحلفائهم الفرنج، وعاد هؤلاء إليه فأخبروه بكثرة عددهم ووفرة أعتدتهم، وجدهم في ملاحقته وحربه، فعزم على قتالهم إلا أنه خاف أن يصيب الضعف نفوس جنده عند القتال في هذا الموقع الخطر، حيث مصادر الهلاك أكثر من مصادر السلامة، وحيث البعد عن الوطن وقلة العدد وأخطار الطريق ما قد يؤثر في النفوس، فجمع قادته وشاورهم، فكلهم أشاروا عليه بعبور النيل إلى الجانب الشرقي والعود إلى الشام، وقالوا له: «إن نحن انهزمنا، وهو الأغلب على الظن، فإلى أين نلتجئ وبمن نحتمي؟، وكل من في هذه الديار من جندي وعامي وفلاح عدو لنا» .

فنهض عند ذلك أمير من مماليك نور الدين، يقال له شرف الدين برغش، وكان شجاعة، فقال: من يخاف القتل أو الأسر فلا يخدم الملوك، بل يكون في بيته مع امرأته، والله لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة ولا بلاء نعذر فيه، ليأخذن ما لنا من إقطاع وليعودن علينا بجميع ما أخذناه منذ خدمناه إلى يومنا هذا، ويقولون: تأخذون أموال المسلمين وتفرون عن عدوهم، وتسلمون مثل مصر إلى الكفار. والحق بيده.

فقال أسد الدين: هذا الرأي وبه أعمل. وقال ابن أخيه صلاح الدين مثل قوله، وكثر الموافقون لهم واجتمعت الكلمة على القتال. فأقام بمكانه حتى أدركه المصريون والفرنج وهو على تعبية. وجعل الأثقال في القلب يتكثر بها، ولأنه لم يكن باستطاعته تركها بمكان آخر فينهبها أهل البلاد. وجعل صلاح الدين في القلب، وقال له ولمن معه: إن المصريين والفرنج يجعلون حملتهم على القلب ظنا منهم أني فيه، فإذا حملوا عليكم فلا تصدقوهم القتال ولا تهلكوا نفوسكم واندفعوا أمامهم وتظاهروا بالتراجع والانسحاب، فإذا عادوا عنكم فارجعوا في أعقابهم. واختار هو من شجعان جنده جمعة يثق بهم ويعرف صبرهم في الحرب، ووقف بهم في الميمنة.

فلما اشتبكت القوتان فعل الفرنج ما ذكره وحملوا على القلب، فقاتلهم من به قتالا يسيرة، وانهزموا من أمامهم غير متفرقين ومعهم المصريين، فحمل حينئذ أسد الدين فيمن معه على من تخلف من الذين حملوا من المسلمين والفرنج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت