الحملة، دفع شر دخله. غير أنه حدث قبل أن يكتمل استعداد جيش الفرنج، أن وردت الأنباء بأن شيركوه يجتاز فعلا صحراء سيناء، فلم يسع (أملريك) إلا أن يرسل ما تيسر الحصول عليه من العساکر، لعرقلة مسيره، غير أن ذلك جاء متأخرة. فعلى الرغم من أن عاصفة رملية شديدة كادت تودي بجيش شبرکوه، فإنه وصل سالما إلى برزخ السويس في أوائل شهر شباط - فبراير سنة (1197 م) ، وهنا علم شير کوه أن جيش الفرنج شرع في السير يوم 30 کانون الثاني - يناير (1197 م) ، وعندئذ اجتاز شيرکوه الصحراء صوب الجنوب الغربي حتى بلغ نهر النيل عند (أطفيح) على مسافة أربعين مية جنوبي القاهرة» (1)
ثم عبر النيل عند أطفيح إلى الضفة الغربية، فالتزمها في سيره حتى عسكر في الجيزة تجاه القاهرة. وفي تلك الأثناء اقترب جيش الفرنج من القاهرة، وقد قدم إليها من جهة الشمال الشرقي، فالتقى به شاور على مسافة ميل واحد من أسوار القاهرة. وعقد شاور عهدة مع أملريك، بعد أن رفض اقتراحة تقدم به شيرکوه يقضي بالاتحاد لمناوأة المسيحيين. وتقرر أن يؤدي شاور للفرنج أربعمائة ألف دينار (بيزنت) يدفع نصف هذا المبلغ على الفور، ثم يبذل النصف الآخر فيما بعد، بشرط أن يقسم أمليك بألا يغادر مصر إلا بعد طرد شيرکوه منها.
وأنفذ الملك أميريك إلى القاهرة كلا من هيو (سيد قيسارية) وجفري، أحد فرسان الداوية الذي كان فيما يبدو يجيد التحدث باللغة العربية، للحصول من الخليفة الفاطمي على الموافقة الرسمية على المعاهدة. ولقي الرسولان استقبالا حافة، إذ اجتاز الرسولان في طريقهما صفوف الأعمدة والنافورات والحدائق التي قامت بها حظائر الحيوانات والطيور الضارية، فصارا يسيران من قاعة إلى قاعة ازدانت بالستائر المصنوعة من الحرير وخيوط الذهب وترصعت بالجواهر حتى انفرجت أمامهما آخر الأمر ستارة كبيرة مزركشة بالذهب، فكشفت عن الخليفة الصبي وقد تلثم واتخذ مجلسه على سرير الملك المصنوع من الذهب، فتم أخذ الأيمان على الوفاء بالمعاهدة، ثم أراد هيو، باعتباره ممثلا للملك أملريك، أن يختم العقد على نحو ما هو معروف في الغرب بأن يصافح يد الخليفة، فارتاع رجال البلاط المصري، غير أن الخليفة ابتسم ساخرة آخر الأمر ونزع قفازه وصافح هيو، ثم انسحب الرسولان وقد اشتد تأثرهما بما تكدس من
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ الحروب الصليبية، رنسيمان، ستيفن 101/ 2، 102