فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 111

وفي هذا الموضوع ما يتعلق بقاعدة جلب المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، فيقول شيخ الإسلام كاشفا لهذا الأمر:"فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد؛ بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة مأمورا بها، كما ذكره أحمد عن أهل خراسان إذ ذاك: أنهم لم يكونوا يقوون بالجهمية، فإذا عجزوا عن إظهار العداوة لهم سقط الأمر بفعل هذه الحسنة، وكان مداراتهم فيه دفع الضرر عن المؤمن الضعيف، ولعله أن يكون فيه تأليف الفاجر القوي، وكذلك لما كثر القدر في أهل البصرة، فلو ترك رواية الحديث عنهم لا ندرس العلم والسنن والآثار المحفوظة فيهم، فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل، وكثير من أجوبة الإمام أحمد وغيره من الأئمة خرج على سؤال سائل قد علم المسئول حاله أو خرج خطابا لمعين قد علم حاله فيكون بمنزلة قضايا الأعيان الصادرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يثبت حكمها في نظيرها".

ولكن بعض من ينتسب للعلم يعد هذه المداراة التي أشار إليها شيخ الإسلام مداهنة ونفاق، وما ذاك إلا أنه أبلغ في الجهل والبغي، ثم إنه قد خانه فهمه إذ لم يرم إلى تحصيل فائدة العلم والجهاد مع احتمال بدعة أصحابها، والتي مفسدتها أقل بكثير من مفسدة ترك العلم والجهاد، كما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام، والحمد لله الذي جعل سلف الأمة وأئمتها ليسوا كهؤلاء المتنطعين، وإلا لضاع العلم وضاعت سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولبقيت أمم كثيرة على ملة الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت