فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي والأمر بالإصلاح بينهم، وأما الكافر فإنه تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك؛ وهذا معنى أن يكون الدين كله لله تعالى، وإذا اجتمع في الرجل الواحد حق وباطل؛ طاعة ومعصية، سنة وبدعة؛ استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الحق، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الباطل، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة كأصحاب الشفاعة، هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم الخوارج والمعتزلة وأمثالهم.
ولما كان الهجر الشرعي من نوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود؛ كان مشروطا بالقدرة والرفق والصبر، فلهذا اختلف حكم الشريعة بين القادر والعاجز، وبين قلة نوع الظالم المبتدع وكثرته وقوته وضعفه، كما يختلف الحكم بذلك في سائر أنواع الظلم من الكفر والفسوق والعصيان، فإن كل ما حرمه الله فهو ظلم؛ إما في حق الله فقط وإما في حق عباده وإما فيهما، وما أمر به من هجر الترك والانتهاء وهجر العقوبة والتعزير إنما هو إذا لم يكن فيه مصلحة دينية راجحة على فعله، وإلا فإذا كان في السيئة حسنة راجحة لم تكن سيئة، وإذا كان في العقوبة مفسدة راجحة على الجريمة لم تكن حسنة؛ بل تكون سيئة؛ وإن كانت مكافئة لم تكن حسنة ولا سيئة، قال شيخ الإسلام:"فإذا كان يحصل بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر فهي مشروعة، وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب فليست مشروعة"، فالهجر قد يكون مقصوده ترك سيئة البدعة، وقد يكون مقصوده فعل حسنة الجهاد والنهي عن المنكر وزجر الظالم وتقوية المحق.