فهذه المقامات وغيرها مما يوجب القطع بأن هذا التأويل -الذي مفاده حمل عموم"كل بدعة ضلالة"على النهي الخاص- فاسد، لا يجوز حمل الحديث عليه، سواء أراد المتأول أن يعضد التأويل بدليل صارف، أو لم يعضد، فإن على المتأول بيان جواز إرادة المعنى الذي حمل الحديث عليه، ثم بيان الدليل الصارف له إلى ذلك، وكذلك فإن ما ثبت حسنه: إما أنه ليس بدعة وإما أنه مخصوص، وأما أمور أخرى قد يظن أنها حسنة وليست بحسنة، أو أمور يجوز أن تكون حسنة، ويجوز أن لا تكون حسنة، فلا تصلح المعارضة بها، بل يقال لأصحابها: إن ثبت أن هذا حسن فلا يكون بدعة، أو يكون مخصوصا، وإن لم يثبت أنه حسن فهو داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"كل بدعة ضلالة".
قال شيخ الإسلام في الاقتضاء: "ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلية، وهي قوله:"كل بدعة ضلالة"بسلب عمومها وهو أن يقال: ليست كل بدعة ضلالة، فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل، بل الذي يقال فيما ثبت أنه حسن من الأعمال التي قد يقال هي بدعة: إن هذا العمل المعين -مثلا- ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث، أو إن اندرج لكنه مستثنى من هذا العموم لدليل كذا وكذا، الذي هو أقوى من العموم، مع أن الجواب الأول أجود، وهذا الجواب فيه نظر: فإن قصد التعميم المحيط ظاهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة الجامعة، فلا يعدل عن مقصده بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام".
اعلم أنه بإحسان الظن بالناس فإنهم لا يحدثون شيئا إلا لأنهم يرونه مصلحة، إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه، فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين، فما رآه الناس مصلحة