وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"خذوا العطاء ما كان عطاء، فإذا كان عوضا عن دين أحدكم فلا تأخذوه"، فلما صار الأمراء يعطون مال الله لمن يعينهم على أهوائهم وإن كانت معصية، كان من امتنع من أخذه متبعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان ترك قبول العطاء من أولى الأمر محدثا، لكن لما أحدثوا هم أحدث لهم حكم آخر بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكذلك دفعه إلى أهبان بن صيفي سيفا، وقوله له: قاتل به المشركون، فإذا رأيت المسلمين قد اقتتلوا فاكسره فإن كسره لسيفه وإن كان محدثا حيث لم يكن المسلمون يكسرون سيوفهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن ليس بدعة في الدين لأنه كان بأمره صلى الله عليه وسلم.
ومن هذا الباب: قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، فإنه وإن كان بدعة لغوية من حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أحدا على إيتاء الزكاة فقط، لكن لما قال:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله"، وقد علم أن الزكاة من حقها، فلم تعصم من منع الزكاة، كما بينه في الحديث الآخر الصحيح:"حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة"، وغير هذا كثير.
وأما ما لم يحدث سبب يحوج إليه ولا حدث الداعي إليه، أو كان السبب والداعي ذنوب العباد وتقصيرهم في المشروع، فهنا يكون العمل المحدث بدعة في الدين، منهي عنه، فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم