إن الهجر الشرعي نوعان:
الأول: هجر من قبيل التقوى؛ وهو ترك المنكرات وعدم اقترافها واقترابها؛ فلا يشهدها لغير حاجة، مثل أن يحظر قوما يشربون الخمر، أو يتعاطون المخدرات، أو يتفقون على رشوة، أو مجلس غناء ورقص، أو وليمة أقيمت عند قبر وذبح عندها لغير الله، أو نحو ذلك من الظلم والمحرمات، فالواجب على المرء ألا يفعلها وألا يحظر من فعلها من قرناء السوء، قال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} ، بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم أو حضر بغير اختياره.
الثاني: الهجر على وجه التأديب والتعزير لمن يظهر المنكرات حتى يتوب منها، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقا، ونظير هؤلاء المظهرين للمنكرات أهل الأهواء الذين يظهرون بدعهم ليتبعها الناس، وإن قدروا امتحنوا عليها من خالفهم وعاقبوا من أصر على عناده لهم، قال شيخ الإسلام في المجموع:"والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات، كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع،"