وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ولا يصلى خلفهم ولا يؤخذ عنهم العلم ولا يناكحون، فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم"."
والهجر له ضوابطه ومقاصده قد غابت على كثير من إخواننا من سائر طوائف المسلمين اليوم، ذلك أنه لا بد أن يكون الغرض منه دينيا لا دنيويا؛ مثل إعزاز الدين ومصلحة المسلمين العامة والخاصة، وكف شر هذا ووقاية ذاك منه، كما أنه قد يترك الهجر أيضا من أجل غرض ديني، كتأليف القلوب أو وقاية شر أعظم من نفع الهجر، وقد يترك الهجر إذا كان لا فائدة فيه كهجر من لا يحتاج إليه في أمر من الأمور، ونحو هذا وذاك كثير لمن تدبره، وهذا ما بينه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى حين قال:"هذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته؛ كان مشروعا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف قوما ويهجر آخرين، كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرا من أكثر المؤلفة قلوبهم، لما كان أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، والمؤمنون سواهم كثير، فكان في هجرهم عز الدين، وتطهيرهم من ذنوبهم، وهذا كما أن المشروع في العدو القتال تارة، والمهادنة تارة، وأخذ الجزية تارة، كل ذلك بحسب الأحوال والمصالح".