فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 111

على أن هذا الفهم ينبغي له أن يقترن بمعرفة أن البدعة التي توجب عقوبة الهجر لابد أن تكون من البدع المغلظة على أن يظهرها صاحبها ويدعو إليها، وإلا فلو لم تكن من المهمات أو كانت صغيرة وغير مكفرة، أو أسرها صاحبها ولم يظهرها ويدعو إليها، أو كانت بدعة فيما يسوغ فيه الاجتهاد من المسائل الدقيقة؛ فهذه لا توجب الهجر ولا المقاطعة، ولا يجوز نشرها بين العامة والخاصة، كما نبه على ذلك شيخ الإسلام في جوابه على مسألة رؤية الكفار ربهم في عرصات القيامة، فقال رحمه الله تعالى:"وإنما الغرض بيان أن هذه المسألة ليست من المهمات التي ينبغي كثرة الكلام فيها، وإيقاع ذلك إلى العامة والخاصة، حتى يبقى شعارا ويوجب تفريق القلوب وتشتت الأهواء، وليست هذه المسألة فيما علمت مما يوجب المهاجرة والمقاطعة؛ فإن الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة واتباع، وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا، كما اختلف الصحابة رضي الله عنهم -والناس بعدهم- في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في الدنيا، وقالوا فيها كلمات غليظة، كقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ومع هذا فما أوجب هذا النزاع تهاجرا ولا تقاطعا، وكذلك ناظر الإمام أحمد أقواما من أهل السنة في مسألة الشهادة للعشرة بالجنة، حتى آلت المناظرة إلى ارتفاع الأصوات، وكان أحمد وغيره يرون الشهادة ولم يهجروا من امتنع من الشهادة؛ إلى مسائل نظير هذه كثيرة".

إذا لابد من التمييز بين المسائل المطروحة على الساحة، ذلك أن كثيرا منها جعلها أصحابها المحك الفارق بين السنة والبدعة وهي ليست كذلك عند سلف الأمة وأئمتها؛ فليس من طريق السلف نشر مسائل الخلاف التي ليست من المهمات لا بين العامة ولا بين الخاصة، وليس أيضا من طريق السلف أن يجعلوا هذه المسائل مما يوجب الهجر أو التلاعن أو القطيعة، بل ولا حتى البدعة التي هي أولى من هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت