المسائل، ولا يوجب الهجر إلا الداعية إلى البدعة، ولتحقيق هذا الأمر لابد من آداب؛ ذكر بعضها شيخ الإسلام فقال في المجموع:"وهنا آداب تجب مراعاتها: منها: أن من سكت عن الكلام في هذه المسألة ولم يدع إلى شيء فإنه لا يحل هجره وإن كان يعتقد أحد الطرفين؛ فإن البدع التي هي أعظم منها لا يهجر فيها إلا الداعية؛ دون الساكت فهذه أولى، ومن ذلك: أنه لا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة محنة وشعارا يفضلون بها بين إخوانهم وأضدادهم؛ فإن مثل هذا مما يكرهه الله ورسوله، وكذلك لا يفاتحوا فيها عوام المسلمين الذين هم في عافية وسلام عن الفتن، ولكن إذا سئل الرجل عنها أو رأى من هو أهل لتعريفه ذلك ألقى إليه مما عنده من العلم ما يرجو النفع به".
وسلف الأمة وأئمتها كانوا من الراسخين في العلم، وقد خصوا بالفهم عن الله ورسوله بما لا يكاد يوجد مثله عند من بعدهم من المتأخرين إلا ناذرا، وخصوصا في هذه الأوقات التي تميزت بالضعف الشديد في العلم وندرة العدل ممن ينتسب إلى أهل العلم، ناهيك عن غيرهم، ثم إنه من فقه السلف أن فرقوا بين الأماكن التي كثرت فيها البدع كما كثر القدر في البصرة، والتنجيم بخراسان، والتشيع بالكوفة، وبين ما ليس كذلك، كما فرقوا بين الأئمة المطاعين وغيرهم.
وإذا عرف هذا فالهجر الشرعي بالنسبة للهاجر هو من قبيل الطاعات، ومن شروط قبول الطاعة أن تكون خالصة وصوابا كما ذكر سابقا، فمن هجر لهوى في نفسه أو طاعة لشيخه أو تعصبا لمذهبه أو نصرة لطائفته؛ طلبا للجاه والرئاسة ونحو ذلك، أو هجر هجرا غير مأمور به كان خارجا عن منهج السلف، وكان أحق بوصف البدعة من غيره، ومع ذلك لا يوسم بالبدعة إلا بعد ظهور حجة الله تعالى