إذا ما تدبر المرء ما عليه عامة الناس، أو من حاصره العوام وقيدوه من الدعاة والمترئسين بالجهل والظلم ممن لم يرسخ في العلم ولا يعد من أولي الأمر الذين أمرنا بطاعتهم بعد طاعة الله ورسوله، أو ممن يعد من المشايخ لكنهم انزلقوا وراء الأهواء والشبهات؛ ونظر إلى ذلك وغيره بمنظار العلم الذي يقوم على الدليل موقنا أن النافع منه ما جاء به الرسول؛ وجد أكثر هذه العادات التي ألفها الناس مخالفة للسنن الصحيحة الثابتة، ووجد أنه ما نفقت هذه البدع إلا لأنه ظنها البعض -لكثرتها بين الخاص والعام- مما أجمعت عليه الأمة وأقرته ولم تنكره، وهذا خطأ جسيم، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة، ولا يجوز دعوى الإجماع بعمل بلد، أو بلاد من بلاد المسلمين، فكيف بعمل طوائف منهم؟ ولا يجوز اتباع كائنا من كان إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتبر بأكثر سلف الأمة وأئمتها الذين لم يعتمدوا على عمل علماء أهل المدينة، وإجماعهم في عصر مالك، بل رأوا السنة حجة عليهم، كما هي حجة على غيرهم، مع ما أوتوه من العلم والإيمان.
فكيف يعتمد المؤمن العالم على عادات أكثر من اعتادها عامة الناس، ومن كان من الخاصة فربما كان ممن اتبع هواه بغير علم ممن طلب الرئاسة والجاه وتترس بالجهال، ولعلهم لم يتم إيمانهم بالله ورسوله، أو قد دخل معهم فيها بحكم العادة قوم من أهل الفضل والإيمان، عن غير روية، أو لشبهة أحسن أحوالهم أن يكونوا فيها بمنزلة المجتهدين من علماء الأمة، فيعتذر لهم عن خطأهم، ويرجى لهم الخير، ولا يتبعوا إلا فيما أصابوا فيه الحق.