والبدع نوعان: الأول في الأقوال والاعتقادات؛ ويقع فيه المنتسبون إلى العلم والنظر وما يتبع ذلك، وهم فيما وقعوا فيه أشبه باليهود الذين خالفوا في العلم، والثاني في الأفعال والعبادات؛ ويقع فيه المنتسبون إلى العبادة والإرادة وما يتبع ذلك، وهم فيما وقعوا فيه أشبه بالنصارى الذين خالفوا في العمل، ولهذا كان السلف يقولون:"من فسد من العلماء ففيه شبه من اليهود ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى"،"احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل؛ فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون"، ولو اعتصم المرء بالعلم الشرعي من غير عمل بالواجب كان غاويا باغيا، وإذا اعتصم بالعبادة الشرعية من غير علم بالواجب كان ضالا، والضلال سمة النصارى والبغي سمة اليهود، مع أن كلا من الأمتين فيها الضلال والبغي.
ولهذا تجد من انحرف عن الشريعة في الأمر والنهي من أهل الإرادة والعبادة والسلوك والطريق ينتهون إلى الشطح والطامات والفناء الذي لا يميزون فيه بين المأمور والمحظور، ولا بين الخالق والمخلوق، فيكونون فيه متبعين أهواءهم بغير علم، وتجد من انحرف عن الحق في الخبر والنفي والإثبات من أهل العلم والنظر والكلام والبحث ينتهي أمرهم إلى الشك والحيرة؛ بعد أن خاضوا أو بعضهم في بحر الزندقة، فهؤلاء لا يصدقون بالحق وأولئك يصدقون بالباطل، وإنما يتحقق الدين بتصديق الرسول في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، باطنا وظاهرا، في القول والعلم والعمل، بالقلب واللسان والجوارح.