موجودا لو كان مصلحة ولم يفعله النبي ولا أقر على فعله، ولا منع منه مانع، علم أنه ليس بمصلحة، ووضعه إحداث في دين الله ما ليس منه، وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخلق ولا تقصيرهم في المشروع، فقد يكون مصلحة. وكثيرا ما أوتي من أحدث في دين الله ما ليس منه من جهة المصلحة، وهذا قد وقع فيه من نسب إلى تغيير الدين، من الملوك والعلماء والعباد، أو من زل منهم باجتهاد، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وغير واحد من الصحابة:"إن أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أحدث قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها"، قال شيخ الإسلام في الاقتضاء:"فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث".
ومثل هذا ما أحدثه بعض الأمراء من الأذان في العيدين، زاعمين أنه دعاء إلى عبادة الله، مستندين إلى بعض العمومات كقوله تعالى: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} وقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} ، لكن العلماء المسددين أنكروه وقالوا: بل ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود ما يعتقد مقتضيا، وزوال المانع، سنة، كما أن فعله سنة، فلما أمر بالأذان في الجمعة، وصلى العيدين بلا أذان ولا إقامة، كان ترك الأذان فيهما سنة، فليس لأحد أن يزيد في ذلك، بل الزيادة في ذلك كالزيادة في أعداد الصلوات أو أعداد الركعات، أو صيام الشهر، أو الحج، ومعلوم بإجماع المسلمين أن الزيادة في هذا بدعة منكرة، بل هذا يعلم بالضرورة من دين الإسلام، قبل العلم بالنهي الخاص عنها، قال شيخ الإسلام:"فهذا الترك سنة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس".