ثم إن جعل المتكلم يريد من لفظ البدعة النهي الخاص نسبة له إلى التلبيس والتعمية، ذلك أن البدعة والنهي الخاص بينهما عموم وخصوص؛ إذ ليس كل بدعة عنها نهي خاص، وليس كل ما فيه نهي خاص بدعة، فالتكلم بأحد الاسمين وإرادة الآخر تلبيس محض، لا يسوغ للمتكلم، إلا أن يكون مدلسا، وحاشا رسول الله أن يكون كذلك.
الثاني: وكذلك فإن معرفة جميع أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ونواهيه يتعذر بل يستحيل معرفته كله على آحاد الناس، وإن بلغ ما بلغ وعلا شأوه في العلم والفضل، إذ قوله: كل بدعة ضلالة، وإياكم ومحدثات الأمور، إذا أراد بهذا ما فيه نهي خاص، كان الرسول قد أحالهم في معرفة المراد بهذا الحديث على ما لا يكاد يحيط به أحد، ولا يحيط بأكثره إلا خواص الأمة، ومثل هذا لا يجوز بحال، وهو تنقيص من حق النبوة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثالث: إن ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو قليل بالنسبة لما ليس فيه نهي خاص من البدع مما يدخل في قوله كل بدعة ضلالة، فالبدع التي لم ينه عنها بأعيانها أكثر بكثير من البدع التي نهى عنها بأعيانها، فالإتيان باللفظ العام مع إرادة الصور القليلة أو النادرة مما لا يجوز على آحاد العقلاء، فضلا عن أن يأتي به ذوي العلم والإيمان من علماء الأمة، فكيف ينسب هذا السفه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الرابع: إذا كانت البدع تنقسم إلى حسن وقبيح، فهذا القدر لا يمنع أن يكون هذا الحديث دالا على قبح الجميع، لكن أكثر ما يقال: أنه إذا ثبت بالدليل الشرعي أن هذا حسن يكون مستثنى من العموم، وإلا فالأصل أن العموم محفوظ، وتبقى أن كل بدعة ضلالة.