لكن التفرق والاختلاف كثير في المتأخرين، مثل ما يقع بين طوائف المسلمين اليوم من التعصب بالباطل، والخصمومة بغير حق، ونحو هذا كثير من أنواع البغي والعدوان على الأشخاص وعلى الكتاب والسنة، وأما الذين رفع الله قدرهم في الأمة فقد كان بما أحيوه من سنته ونصرته والدفاع عن أهل السنة والجماعة والاعتذار لمن أخطأ من علمائها وأئمتها من سلف الأمة وخلفها، وهكذا فإن سائر طوائف الأمة بل سائر طوائف الخلق كل خير معهم فإنما جاءت به الرسل عن الله، وما كان معهم من خطأ أو ذنب فليس من جهة الرسل، فإنما أتوا من جهة نفوسهم والشيطان؛ وهذا أصل كل شر، ولهذا كان الصحابة إذا تكلموا في مسألة باجتهادهم قال أحدهم أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان؛ والله ورسوله بريئان منه، كما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الكلالة، وكما قال ابن مسعود في المفوضة إذا مات عنها زوجها، وكلاهما أصاب فيما قاله برأيه، لكن قال الحق الذي لا مرية فيه، فإن القول إذا كان صوابا فهو مما جاء به الرسول عن الله؛ وهو من عند الله، وإن كان خطأ فالله لم يبعث الرسول بخطأ، فهو من نفسه ومن الشيطان لا من الله ورسوله، والحمد لله.
والمقصود أنه ليس الحق لازما لطائفة دون غيرها إلا للمؤمنين، فإن الحق يلزمهم؛ فهم لا يجتمعون على ضلالة، وما سوى ذلك فقد يكون الحق مع شخص دون شخص أو طائفة دون طائفة في أمر دون أمر، وفي وقت دون وقت، وقد يكون كلا المختلفين على باطل، وقد يتنوع الحق فيكون مع كليهما؛ مع هذا من وجه ومع الآخر وجه، فليس لأحد أن يسمي طائفة منسوبة إلى أتباع شخص -كائنا من كان- غير رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم أهل الحق دون غيرهم، ولا لطريقتهم بأنها طريقة الحق المطلق، إذ ذلك يقتضي أن كل ما هم عليه فهو حق، وكل من خالفهم في شيء من سائر طوائف المسلمين فهو على باطل؛ وهو من أهل