فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 111

بكر، ورحل بعده القاضي أبو بكر بن العربي، فأخذ طريقة أبي المعالي في الإرشاد، ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف، لكن لما التبس عليهم هذا لأصل المأخوذ ابتداء عن المعتزلة؛ وهم فضلاء عقلاء؛ احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين، وصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوساطها"."

ثم يبين شيخ الإسلام -وكأنه يعيش بيننا، وهذا من توفيق الله تعالى للمؤمن-؛ أن الخطأ والبدعة ليس محصورا على أهل الكلام فقط، بل حتى أهل العلم والدين -كما وصفهم- معرضون للغلط وارتكاب ما هو بدعة في الدين، ثم يعتذر للجميع ويرجو لهم السلامة، فانطبق عليه (من عرف الحق رحم الخلق) ؛ فيقول:"وهذا ليس مخصوصا بهؤلاء، بل مثل هذا وقع لطوائف من أهل العلم والدين، والله تعالى يتقبل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} ، ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه؛ تحقيقا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} ".

ولم يفت شيخ الإسلام أن يلزم المتشددين أصحاب الغلو في كل عصر بارتداد مذهبهم الباطل عليهم وعلى متبوعهم، مبينا أنه قل من يسلم من مثل غلط أولائك في المتأخرين ولو كان بدعة؛ فهو عن اجتهاد وابتغاء اتباع الرسول، وكذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت