وهو نوع من الشرك الخفي، بعضه يستكن في القلب استكنان النار في الحجر، تقدحه شهوة خفية، لا تزال بالمرء حتى توقعه في غضب الرب جل وعلا.
ولا يزال المخلصون خائفين من الرياء الخفي، يجتهدون في صرف أعين الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم من حرص ذوي الهيئات على إخفاء نقائصهم، خشية من الله تعالى، ومحبة له، شأنهم شأن أولئك البررة الذين امتدحهم الله تعالى بقوله: ? ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ?.
ولأي قاريء أو مستمع أن يقول بصراحة المريض أمام طبيبه: وما أفعل إذا كنت أحس بدبيب حب الرياء في قلبي وأنا أمارس عباداتي ومعاملاتي، مع الله، ومع الخلق، كيف السبيل إلى العلاج؟
هذا السؤال لن يصدر إلا من قلب مخلص، شابه الرياء، فأصر على التخلص منه، وهو في ذاته نية طيبة مأجور صاحبها بإذن الله، ولكن لا بد من الإصرار على تغيير الحال، ومجاهدة النفس على ترويضها على ما يرضي الله وحده لا شريك له، ومراقبته في السر والعلن، ولعل من أبرز الوسائل العملية لإرغام النفس على ذلك، أن يعوِّد المسلم نفسه كتم حسناته وإخفاءها عن عيون الخلق كما يخفي عيوبه وسيئاته. فلا دواء للرياء مثل الإخفاء، وأن يجعل له خبيئة من عمل صالح لا يعلم به إلا الله تعالى؛ من عمل صالح، أو صلاة في جوف الليل، أو دمعة توبة واستغفار في وجه السحر، أو صدقة بيمينه تجهلها شماله، ولعل ذلك يشق في بداية المجاهدة، ولكنه إذا صبر عليه فترة بالتكلف، هان عليه ـ بعد ذلك بالمواصلة، وليعلم أن الله سبحانه يمد أمثاله بالتأييد والتسديد، فهو الذي يقول {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} ، وأنه تعالى لا يقبل إلا من المتقين، فليتق الله ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
وإن لذة المدح والحمد من الناس، والخوف من ذمهم وقدحهم، والطمع فيما في أيديهم هو أبرز ما يستجر الإنسان لريائهم، ولكن من استحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد، ومنازل الجنة الرفيعة، استحقر ما في ألسنة الناس من المديح، وما في أيديهم من المتاع الزائل، المكدر بالمن والأذى والزوال. وليس هناك أخسر ممن بنى قصور الحسنات على قواعد من قش الرياء، سرعان ما تهوي به في جحيم الآثام والأوزار.
أخي .. إن الصوم مدرسة من مدارس الإخلاص فخذ منها ما يجعل لكل عمل من أعمالك قيمة عظمى عند الخالق عز وجل .. في رمضان وفيما بعد رمضان.